
في توقيت تشتعل فيه الأسعار وتُحرق فيه المرتبات وتُبتلع فيه الطبقة المتوسطة تدرس الحكومة مشروعاً لتحويل الدعم العيني إلى نقدي وتتحدث عن مراجعة منظومة الدعم بالكامل لكن خلف العناوين والدراسات هناك سكين تُسلط على عنق آخر مكتسبات الفقراء رغيف العيش لا تفسير واضح ولا مبرر منطقي ولا توقيت عاقل يسمح بالمساس بملف الأمن الغذائي في لحظة فارقة كهذه إلا إذا كان الهدف هو ملء عجز الموازنة من “جيب المواطن” مرة أخرى.
الحكومة تقترب خطوات من الباب الأخير الذي لم تُغلقه الأزمات في وجه المصريين مع فتح ملف الدعم النقدي بعد فواتير الكهرباء والغاز والبنزين والدواء والمواصلات لم يتبقَ سوى “اللقمة” فإذا خرج الرغيف من دائرة الدعم العيني خرج معه آخر صك للأمان الاجتماعي بين الدولة والمواطن وهنا لا نتحدث عن سياسة نقدية أو إصلاح هيكلي بل نتحدث عن خطر يهدد نحو 60 مليون مواطن يستفيدون من منظومة التموين وفقاً لبيانات الموازنة الجديدة ويعيشون على هامش الدخل ويستندون إلى رغيف الـ 20 قرش كأنه شهادة ميلاد للكرامة.
رغيف العيش ليس سلعة تُباع وتُشترى في بورصة الأسعار رغيف العيش عقد اجتماعي ماضٍ عليه كل حكومة ورئيس منذ 70 عاماً هو الضمانة الوحيدة أن الجوع لن يدخل البيوت حتى لو انهار الدولار واشتعل العالم حرباً من ثورة الخبز 1977 إلى ثورة يناير 2011 التى بدأت شرارتها الأولى من طوابير العيش إلى جائحة كورونا ظل الرغيف هو اليد الوحيدة التي تمتد للفقير دون أن تطلب منه مقابلاً التاريخ كله بيقولها صريحة “الخبز أولاً” كل الدول اللي لعبت في لقمة الغلابة دفعت التمن غالي والشعوب سكتت على الضرائب والغلاء والحرمان… لكنها لم تسكت أبداً على الرغيف.
وتُبرر الحكومة توجهها بشعارات حفظناها ترشيد الإنفاق القضاء على التسريب وصول الدعم لمستحقيه لكن الحقيقة المرة أن الدعم العيني كان هو الضمانة الوحيدة لوصول الحق الفقير يعلم أن له حصة يومية من الخبز بسعر ثابت لا يتغير بتغير البورصة أما الدعم النقدي فهو “سراب” في اقتصاد تتآكل فيه قيمة الجنيه كل 30 يوم فكرة تحويل دعم الخبز لنقدي هي فكرة خطرة في أي بلد تتآكل فيه القوة الشرائية بسرعة لأن المبلغ اللي يكفي عيش النهاردة مايكفيش نص الكمية الشهر القادم فأين الآلية التي تضمن تحديث هذا المبلغ تلقائياً مع كل موجة غلاء؟ وأين ضمانات الرقابة على الأسواق اللي تخلي سعر الرغيف الحر ثابت؟ الخبز بالذات غير أي سلعة… سعره لو فلت ملايين البيوت هتجوع.
الخوف الأكبر ليس من الدراسة اليوم بل من الغد بعد تحويل الدعم إلى نقدي من الذي يضمن ألا يُتخذ بعد عامين قرار بإلغاء بطاقة التموين بالكامل بحجة “التكلفة العالية”؟ عندها سيقف الفقير وجهاً لوجه أمام رغيف بـ 2 جنيه في السوق الحر ولا خيار له إلا الجوع أو الذل رغيف بطاقة التموين هو أمن قومي واستقرار اجتماعي وكرامة مواطن هو آخر خط دفاع ضد الفوضى كسره يعني كسر المعادلة كلها.
ليست المشكلة في الإصلاح فالإصلاح واجب لكن الإصلاح الحقيقى لا يبدأ من بطن الجائع يبدأ من قصور الإنفاق الحكومي من وقف نزيف الهدر من محاسبة الفساد من دعم الفلاح ليزرع قمحه بدلاً من استيراده بالدولار تنقية البطاقات أولى من إلغائها تطوير المخابز أولى من تجويعها دعم الإنتاج أولى من معاقبة المستهلك. أما اختيار “أسهل طريق” وهو جيب المواطن فهذا ليس إصلاحاً… هذا عجز مقنع بثوب الاقتصاد.
يا سادة رغيف العيش ليس رقماً في جدول الموازنة يمكن شطبه بقلم أحمر رغيف العيش هو “صك الأمان” الذي وقعت عليه مصر كلها المساس به يعني المساس بالثقة والمساس بالثقة يعني المساس بالاستقرار الرئيس السيسي أعلنها صريحة “محدش هيجوع في مصر” فكيف نسمح بتوجه حكومي يجعل من الجوع احتمالاً وارداً؟
الصمت لن ولم يطول لأن الشعوب قد تسكت على الضرائب وتسكت على الغلاء وتسكت على الحرمان… لكنها لا تسكت أبداً على لقمة عيشها نحن لا نتهم أحداً نحن نُحذر قبل أن يتحول التحذير إلى ندم فكل عام والفقير بخير وكل عام ورغيف العيش أقوى من أي دراسة وأبقى من أي توجه لأن الكلمة أقوى من القيد واللقمة أقوى من القرار.
To talk the rest.





