
لم يكن المواطن البسيط في حاجة إلى أزمة جديدة تزيد من أعبائه اليومية، بعد سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية المتلاحقة، حتى جاءت أزمة وقف بعض معاشات تكافل وكرامة وتعليق عدد من كروت الخدمات المتكاملة لتفتح بابًا جديدًا للجدل والقلق في الشارع المصري.
وزارة التضامن الاجتماعي بقيادة الوزيرة مايا مرسي بررت الأمر بأن الخطوة تأتي في إطار “مراجعة الإجراءات واستكمال الأوراق” للحفاظ على العدالة وتوجيه الدعم لمستحقيه.
وهنا الوزارة والسيدة الوزيرة يعيدوننا للخلف عشرات السنين، هل إيقاف مصالح الناس هو الحل للمراجعة.
ويرى كثير من المواطنين أن ما يحدث هو إقصاء للفقراء تحت لافتة “التنقية” و”الضبط الإداري”.
بدأت الأزمة حينما فوجئ عدد من المستفيدين من برنامج “تكافل وكرامة” وهو أحد أهم برامج الدعم النقدي الموجه للفئات الأكثر احتياجًا بإيقاف معاشاتهم الشهرية دون سابق إنذار. كما فوجئ آخرون من ذوي الإعاقة بوقف كروت الخدمات المتكاملة التي تتيح لهم الاستفادة من تخفيضات ومزايا في العلاج والمواصلات والتعليم والتوظيف.
الصدمة لم تكن فقط في توقف الدعم، بل في غموض الأسباب، إذ لم يتلقَّ معظم المتضررين أي إشعار واضح يوضح سبب الإيقاف أو الإجراءات المطلوبة لإعادة التفعيل.
حينما تُغلق الأبواب أمام مواطن مريض أو أرملة لا تملك القدرة على مراجعة أوراقها في الوقت المحدد، أو حينما تُطلب أوراق يصعب استخراجها في المناطق الريفية، فإن النتيجة تكون واحدة: انقطاع الدعم عن الأضعف، بينما يبقى القادر أكثر قدرة على تجاوز تلك الإجراءات
.
الآثار المباشرة لوقف المعاش أو الكارت لا يمكن الاستهانة بها. فبرنامج “تكافل وكرامة” لا يمثل رفاهية، بل هو شريان حياة لملايين الأسر التي تعتمد عليه لتوفير الغذاء أو العلاج أو مصروفات التعليم.
وفي الوقت الذي تشهد فيه الأسواق موجات تضخم غير مسبوقة وارتفاعًا مستمرًا في أسعار السلع الأساسية، يصبح أي تأخير في صرف المعاشات كارثة إنسانية.
القرار، حتى وإن كان إداريًا، له انعكاس نفسي واجتماعي خطير. إذ يشعر المواطن الفقير بأنه مهدد دائمًا، وأن الدولة التي يفترض أن تحميه قد تسحب منه أبسط أدوات الأمان في أي لحظة.
هذا الإحساس بفقدان “الاستقرار الاجتماعي” هو أخطر ما يمكن أن يترتب على مثل تلك الإجراءات، لأنه يولّد شعورًا بعدم الثقة في المؤسسات الحكومية ويضعف العلاقة بين المواطن والدولة.
هل نحن أمام أزمة مؤقتة أم نهج جديد؟
ما حدث ليس مجرد “خلل إداري”، بل يعكس نهجًا جديدًا في إدارة ملف الدعم، يعتمد على تقليص حجم المستفيدين وإعادة توزيع الموارد وفق أولويات مالية ضاغطة.
فالحكومة تواجه بالفعل تحديات اقتصادية قاسية، وضغوطًا على الموازنة العامة نتيجة ارتفاع تكلفة الدعم النقدي والسلعي مع تراجع قيمة الجنيه. ومن ثمّ، فإن إعادة تقييم المستحقين تبدو خطوة منطقية من منظور الاقتصاد الكلي.
لكن من الناحية الاجتماعية، فإن مثل هذه الخطوات تحتاج إلى تدرج وحساسية عالية في التنفيذ، لأن أي خطأ صغير في قاعدة البيانات يعني أسرة بلا مصدر دخل لشهر أو شهرين وربما أكثر
.
إن مراجعة الاستحقاق لا يجب أن تعني القسوة، ولا ينبغي أن تتحول إلى حملة عشوائية تطال الجميع دون تفرقة بين الغني والفقير، وبين من تحسنت ظروفه ومن لا يزال يعيش على حافة الجوع.
الأزمة لم تقتصر على الدعم النقدي، بل امتدت إلى أصحاب الإعاقات الذين يعتمدون على كروت الخدمات المتكاملة للحصول على الرعاية الصحية والمساعدات.
إيقاف بعض الكروت بحجة “استكمال الأوراق” أو “تحديث التقارير الطبية” أثار غضبًا واسعًا في أوساط هذه الفئة، خصوصًا أن الكثير منهم حصلوا بالفعل على الكارت بعد رحلة طويلة من الإجراءات والفحوص الطبية.
التعامل مع ذوي الإعاقة يجب أن يكون بمنظور إنساني أولًا، لأنهم من أكثر الفئات احتياجًا للرعاية المستمرة.
وليس من المنطقي أن يُطلب من شخص يعاني إعاقة حركية أو ذهنية أن يكرر فحوصًا أو يستخرج أوراقًا معقدة كل عام لمجرد “تحديث البيانات”.
فإذا كانت الوزارة تسعى إلى ضبط المنظومة، فإن الرقمنة والربط الإلكتروني بين الوزارات هو الحل، وليس إعادة معاناة الناس في طوابير المصالح الحكومية.
كما أعادت الأزمة الجدل حول طبيعة العلاقة بين الحكومة والمواطن، وحول مدى كفاءة منظومة التواصل الحكومي في إدارة الأزمات.
فبدلًا من نشر بيانات استباقية واضحة، توضح الخطوات والأسباب والمواعيد، تركت الوزارة المساحة للشائعات والتخمينات.
الأزمات الإدارية ليست جديدة، لكنها حين تمس لقمة عيش الفقراء تصبح أكثر خطورة، لأنها تضرب في جوهر مفهوم “العدالة الاجتماعية” الذي لطالما رفعته الدولة شعارًا في برامجها التنموية.
ولعل التساؤل الذي يطرح نفسه: هل الهدف هو تنقية الدعم أم تخفيف عبء الموازنة؟
إن الإجابة ليست سهلة، لكنها ستتضح من طريقة تعامل الوزارة مع الحالات المتضررة، ومن مدى سرعة استعادة حقوق المستحقين الحقيقيين.
الأزمات الاجتماعية لا يمكن فصلها عن السياق السياسي العام.
فوقف الدعم، ولو بشكل مؤقت، يأتي في لحظة حساسة تتطلب من الحكومة تعزيز الثقة الشعبية لا العكس
.
حين يتكرر الشعور بأن القرارات الحكومية تمس الطبقات الدنيا دون أن تشمل الأغنياء أو كبار المسؤولين، تتراجع ثقة الناس في العدالة الاجتماعية، وتظهر تساؤلات حول الأولويات:
هل الدولة تنحاز للفقراء فعلًا، أم أن شعار “الحماية الاجتماعية” مجرد غطاء إداري؟
الأزمة الحالية ربما تبدو “فنية”، لكنها تحمل رسالة سياسية خطيرة مفادها أن الفقراء يشعرون بأنهم آخر من يُستشار وأول من يُعاقَب.
وذلك يتنافى مع التصريحات الرئاسية المتكررة بضرورة توسيع مظلة الحماية الاجتماعية وعدم المساس بمحدودي الدخل.
يجب أن تكون هناك آلية واضحة لإبلاغ المستفيدين بأي تغيير في حالتهم، عبر رسائل نصية أو خط ساخن فعّال يتيح الرد السريع.
فبدلًا من مطالبة المواطن بتقديم أوراق من وزارات مختلفة، يجب أن يتم تبادل البيانات داخليًا.
لا يجوز إيقاف المعاش فجأة، بل يجب منح فترة إنذار كافية وفرصة لتصحيح الوضع قبل التجميد.
طريقة إدارة الأزمة كشفت ضعف أدواتها الاجتماعية، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تطوير الفكر الإداري قبل أي شيء آخر.
الفقراء لا يطلبون سوى وضوح وعدل واستمرار في الدعم الذي يمثل بالنسبة لهم “كرامة حقيقية”، لا مجرد شعار في الأوراق
.
فإذا كانت الحكومة تريد أن تثبت أنها تعمل من أجل المواطن، فعليها أن تبدأ من أضعف مواطنيها، لأن قوتها تُقاس بمدى قدرتها على حماية من لا يملك صوتًا ولا وسيلة سوى الأمل في الدولة.
To talk the rest.





