
ما حدث بالأمس بشأن فنزويلا، تهديد واضح وصريح للأمن الإقليمي والدولي، ويؤكد سقوط القانون الدولي، وأن مزاج الولايات المتحدة الأمريكية ورؤساؤها هو قانون سكسونيا ولا قانون سواه، قانون البلطجة، فلا راد لما تقضيه عاصمة الظلم، فهناك لا عدالة، ولا إعتراف بحدود أو سيادة، فقط نصبوا أنفسهم آلهة على العالم، لا رادع، لم تعد أمريكا قطبًا اوحد، بل صارت بلا شريك، تتجبر وتتحكم في مصير البشر كما تريد!.
قاموا بالقبض على الرئيس الفنزويلى في مقر إقامته داخل حصن عسكري منيع تحت الأرض أثناء نومه في غرفته، حيث كان نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، في مجمع «فورتي تيونا» العسكري في العاصمة كاراكاس لحظة بدء العملية، وهو أكبر وأهم مجمع عسكري في فنزويلا، ويضم مقر وزارة الدفاع وقيادة الجيش.
كان يُعرف عن مادورو أنه يقيم في «ملجأ محصن» داخل هذا المجمع تحت الأرض، ظنًا منه أنه المكان الأكثر أمانًا وحماية من أي محاولة انقلاب أو اغتيال، لكن قوات «دلتا فورس» الأمريكية نفذت عملية إنزال مفاجئة داخل هذا المجمع بالذات، وهو ما يفسر الصدمة من سهولة الوصول إليه رغم وجود آلاف الجنود في القاعدة.
تزامنت عملية البلطجة الأمريكية والاعتقال مع ضربات جوية واسعة استهدفت مراكز القيادة والسيطرة والمطارات العسكرية، مما أدى إلى قطع الإتصالات والكهرباء عن أجزاء من العاصمة الفنزويلية، وهو ما تسبب في حالة من الشلل التام للحرس الرئاسي.
مادورو لن يكون الأخير، لعله بداية نهاية الحقبة الأمريكية الظالمة، التي تضرب القوانين الدولية عرض الحائط، ولا تحترم الحدود ولا الأعراف، كل ما تعترف به فقط هو مصلحتها وحدها، حتى وإن كانت على حساب الإنسانية أو إنهيار الدول أو دمار العالم، لكن لهذا الكون رب يحميه، سيحل العدالة التي عجز عنها البشر.
ما حدث بالأمس في فنزويلا، يؤكد أن ترامب نصب نفسه مشرعًا وقاضيًا وشرطيًا للمجتمع الدولي! مما يتيح له القبض على الرئيس الفنزويلي ونقله لأمريكا تمهيدًا لمحاكمته على حد وصف الجانب الأمريكي، وذلك هو القانون الدولي! وتلك هي سيادة الدول وديمقراطية وحرية وعدالة الغرب! الذي يُفتتن به وبشعاراته الكاذبة العملاء والأغبياء والممولين في منطقتنا العربية!.
ترامب سيعين صديقة إسرائيل الوفية ماريا كورينا ماتشادو رئيسًا على فنزويلا، وهي الوحيدة التي وافق الرئيس الأميركي منذ شهور قليلة التنازل من أجلها عن مطالبه بالحصول على جائزة نوبل للسلام، وأمر بشكل خفي بمنحها الجائزة وذلك إعدادًا لهذا اليوم التاريخي من وجهة نظره، لكن هذا اليوم فعلًا تاريخي لأنه سقطت فيه أقنعة الغرب المزيفة.
والسؤال الآن: لماذا لا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أن تتعامل مع رئيس كوريا الشمالية على سبيل المثال بنفس الطريقة التي تعاملت بها مع رئيس فنزويلا؟!
الفرق واضح ولا يحتاج كثير من الشرح، الفارق الجوهري هو إمتلاك القوة الرادعة، كوريا الشمالية تمتلك سلاحًا نوويًا وصواريخ قادرة على إيقاع دمار شامل، وهذا السلاح لا يُستخدم للتهديد بقدر ما يُستخدم لمنع الآخرين من التفكير في الإعتداء عليها، فمن يملك الردع الحقيقي لا يُهان ولا يُخطف ولا يُفرض عليه ما لا يريد.
في المقابل، رئيس فنزويلا لا يملك هذا النوع من الردع، والولايات المتحدة لم تتعامل معه كرئيس دولة ذي سيادة، بل كملف أمني وقضائي، أُلصقت به تهم حيازة سلاح وتهريب مخدرات وغيرها، ليُعامل كما يُعامل أي متهم عادي داخل المنظومة الأمريكية.
الإهانة هنا ليست شخصية، بل رسالة سياسية موجهة إلى دول وشخصيات أخرى مفادها أن من لا يملك القوة سيُسحق مهما كانت صفته، والأخطر من ذلك أن رئيس فنزويلا تُرك وحيدًا! فلا الصين ولا روسيا ولا إيران وكوبا وكولومبيا ولا غيرهم لم يفعلوا شيئًا يتجاوز الكلام! لأن أحدًا لن يدخل حربًا مع الولايات المتحدة من أجل شخص أو نظام لا يملك أوراق قوة حقيقية.
في النهاية، لا يحميك إلا سلاحك وقوة شعبك، لا البيانات ولا التحالفات الورقية، والسلاح الذي يحمي الدول، هو السلاح المصنوع داخلها، بقرارها المستقل وبرمجته وشفراته الوطنية الخالصة، أما من يعتمد على السلاح الأمريكي مثلًا أو الروسي أو غيره، فعليه أن يسأل نفسه سؤالًا بسيطًا: هل هذا السلاح سيُستخدم لحمايتهم إذا تعارضت مصالحهم مع مصلحة من صنعه؟!.
الأسئلة المؤلمة في الحالة الفنزويلية كثيرة.. أين كانت منظومات الإنذار المبكر؟! أين كانت الرادارات والأقمار الصناعية؟! كيف دخلت قوة صغيرة واختطفت رأس الدولة من غرفة نومه دون أن تُستشعر العملية مسبقًا؟! أين كانت المخابرات العامة والحربية؟! ولماذا لم تُرفع درجة الجاهزية في الوقت المناسب؟! وغيرها وغيرها من الأسئلة.
على النقيض تمامًا ترفض كوريا الشمالية حتى مجرد فتح نقاش حول سلاحها النووي، وحين حاول الوسطاء إيصال رسائل عن تنازلات مقابل امتيازات إقتصادية كان الرد حاسمًا ومهينًا في آن واحد.. الرسالة الكورية كانت واضحة: «لا سيادة بلا سلاح، ولا كرامة تُقايض بالوعود الورقية».
إعلان ترامب أن أمريكا اللاتينية منطقة نفوذ أمريكي مغلقة أمام أي تدخل خارجي هو ممارسة صريحة لمفهوم السيادة كما يفهمه الغرب، أي أن جوارك الجغرافي عمقك الإستراتيجي، ومن حقك أن تفرض إرادتك فيه بالقوة إن لزم الأمر! وحين يحدثك البعض عن التحضر الغربي والإنسانية والعدالة والقيم، تذكّر أن هذه الشعارات تتبخر وتذوب عند أول تعارض مع المصالح! لا يسمون الأشياء بأسمائها حين يكون الفاعل غربيًا.
وهنا تتجلى قيمة رجال المقاومة الذين رفضوا الخضوع، وقاوموا حتى النهاية، ودفعوا أرواحهم ثمنا للكرامة، أمثال الرئيس جمال عبدالناصر، والرئيس صدام حسين وغيرهم من أحرار العالم، هؤلاء لم يبيعوا أنفسهم على موائد الغرب، ولم يراهنوا على وعود كاذبة، فالعالم الغربي عالم مخادع، لا تحكمه أخلاق، ولا قوانين دولية، ولا أمم متحدة إلا بقدر ما تخدم مصالحه! القوة وحدها هي اللغة التي يفهمها ويحترمها.
الخلاصة بسيطة وقاسية في الوقت نفسه، القانون الوحيد الذي يحميك في هذا العالم هو أن تمتلك عقيدة صلبة، وكرامة حقيقية، وسلاحًا رادعًا، وعلمًا واسعًا، وعدلًا داخل مجتمعك، وقائدًا وطنيًا يتمتع بالحكمة والإخلاص والذكاء والدهاء السياسي كالرئيس عبدالفتاح السيسي، ما عدا ذلك كله أوهام لا تحمي دولة ولا تصون شعبًا.
معارك إقليمية متعددة، وصراعات سياسية على النفوذ لو كنا دخلناها لدفعنا ثمن غالي جدًا، الحكمة عند امتلاك القوة، ورغم كل الضغوط، وفي النهاية اكتشفوا أن رئيس مصر كان صاحب القرار الحكيم الذي حمى بلاده وأبناء وطنه، وفرض شروطه حتى على ترامب نفسه، ويرجع السبب الحقيقي وراء ذلك «وطنيته وذكائه في قراءة الأحداث العالمية وحكمته في القرار وتماسك شعبه والتفافهم حوله».. فما كان منه إلا أن سلح جيشه منذ اللحظة الأولى، وقام ببناء قوة عسكرية تردع من تسول له نفسه المساس بأمن وطنه.. حفظ الله مصر أرضًا وشعبًا وجيشًا وقيادة.




