
البصمة البيئية هي مؤشر يقيس مقدار الموارد الطبيعية (مثل الأراضي والمياه) التي يستهلكها البشر لاستمرار نمط حياتهم، مقارنة بقدرة كوكب الأرض على تجديد هذه الموارد. تعكس البصمة البيئية الزائدة ضغوطاً مباشرة على التنوع البيولوجي، وتعيق تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وتُعد البصمة البيئية (Ecological Footprint) مقياساً لمقدار الموارد الطبيعية التي يستهلكها مجتمع ما مقابل قدرة النظم البيئية على تجديد هذه الموارد وامتصاص النفايات. في مصر، يشكل تزايد البصمة البيئية ضغطاً كبيراً على الموارد المحدودة، وتتضح آثارها عبر عدة محاور رئيسية:
1. تأثير البصمة البيئية على البيئة في مصر من خلال: استنزاف الموارد المائية: أدى تزايد الاستهلاك إلى اقتراب مصر من خط الشح المائي، حيث تتجاوز حصة الفرد السنوية حدود الفقر المائي لتصل إلى حوالي (500) متر مكعب بدلاً من الحد العالمي المقدر بـ (1000) متر مكعب للفرد [مؤشر الفقر المائي]. وتوليد النفايات والتلوث حيث تساهم الأنشطة الصناعية والعمرانية في زيادة انبعاثات الكربون وتراكم النفايات الصلبة، مما يؤثر سلباً على جودة الهواء في المدن الكبرى مثل القاهرة، ويفرض تحديات مستمرة في إدارة المقالب العمومية وإعادة التدوير.
2. التداعيات على التنوع البيولوجي وتشمل: تراجع الموائل الطبيعية: الزحف العمراني المستمر والتوسع في الأنشطة الزراعية على حساب الأراضي الخصبة والمحميات الطبيعية يهدد موائل العديد من الكائنات الحية والتهديدات البحرية: التغيرات المناخية الناتجة عن ارتفاع الانبعاثات، إلى جانب الأنشطة البشرية، تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة مياه البحر الأبيض المتوسط والأحمر، مما يهدد الحياة البحرية والتنوع البيولوجي الفريد للشعاب المرجانية.
3. التحديات التي تواجه التنمية المستدامة وتشمل: تحدي الأمن الغذائي: زيادة البصمة البيئية المرتبطة بارتفاع الكثافة السكانية وأنماط الاستهلاك تزيد من الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، مما يضطر مصر لاستيراد نسب كبيرة من احتياجاتها الغذائية الاستراتيجية واستنزاف الطاقة: يتطلب تلبية الطلب المتزايد على الطاقة استهلاكاً مكثفاً للوقود الأحفوري، مما يتعارض مع أهداف خفض الانبعاثات والاعتماد على الطاقة النظيفة.
الجهود الوطنية للحد من البصمة البيئية ولمواجهة هذه التحديات، فقد أطلقت مصر حزمة من الاستراتيجيات والمبادرات لتحقيق أهداف التنمية المستدامة(SDGs) :
الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050: تهدف إلى خفض الانبعاثات في قطاعات الطاقة والنقل والمخلفات [استراتيجية تغير المناخ]، التوسع في الطاقة المتجددة: الاستثمار في مشروعات عملاقة مثل مجمع بنبان للطاقة الشمسية للحد من الاعتماد على الوقود التقليدي والمبادرات البيئية: إطلاق مبادرات للتحول نحو الاقتصاد الأخضر، وإدارة المخلفات الصلبة، وحماية التنوع البيولوجي بما يتماشى مع “رؤية مصر 2030”.
ويؤدي ارتفاع البصمة البيئية في مصر إلى إحداث عجز بيئي متزايد نتيجة تجاوز معدلات الاستهلاك البشري للقدرة البيولوجية للأرض على تجديد مواردها. ينعكس هذا الخلل مباشرة على النظم الطبيعية، والتنوع الأحيائي، ويعوق تحقيق أهداف رؤية مصر 2030 للتنمية المستدامة.
أولاً: الأثر على البيئة (استنزاف الموارد والتلوث) فيتسبب اتساع البصمة البيئية الناتجة عن الأنشطة الصناعية والتوسع العمراني في تدهور بيئي حاد يشمل: أزمة المياه: زيادة استهلاك المياه العذبة تتجاوز معدلات التجدد الطبيعي لنهر النيل، تدهور التربة: يؤدي الضغط الزراعي الجائر إلى ملوحة الأراضي وتصحر المساحات الخضراء.، الانبعاثات الدفيئة: يرتفع تلوث الهواء نتيجة الاعتماد الكثيف على الوقود الأحفوري في قطاعي الطاقة والنقل وتراكم النفايات: توليد كميات ضخمة من المخلفات الصلبة والبلاستيكية يصعب التخلص الآمن منها.
ثانياً: الأثر على التنوع البيولوجي (تهديد الحياة البرية والبحرية) حيث تمتلك مصر تنوعاً بيولوجياً غنياً يمثل 1.3% من الكائنات الحية عالمياً، لكن الضغط البشري يهدد هذا الرأسمال الطبيعي: فقدان الموائل نتيجة التوسع العمراني الساحلي والصناعي يدمر بيئات حرجة مثل بيئة أشجار المانغروف، تهديد الشعاب المرجانية: زيادة البصمة الكربونية ترفع حرارة البحار، مما يسبب ابيضاض المرجان في البحر الأحمر، انقراض الأنواع: تصنيف عشرات الأنواع من الثدييات، والطيور، والنباتات الجبلية (خاصة في سيناء) كأنواع مهددة بالانقراض والصيد الجائر: تراجع المخزون السمكي في البحيرات المصرية والبحار نتيجة الاستهلاك غير المنضبط.
ثالثاً: الأثر على التنمية المستدامة (تحديات اقتصادية واجتماعية) حيث يعيق العجز البيئي قدرة الدولة على الحفاظ على معدلات نمو متوازنة للأجيال القادمة: تهديد الأمن الغذائي: تراجع إنتاجية المحاصيل الزراعية نتيجة التغيرات المناخية والإجهاد المائي، الضغط المالي: زيادة الإنفاق الحكومي لإصلاح البيئة المتدهورة واستيراد الموارد البديلة ، تأثر السياحة البيئية: تدمير المحميات والشعاب المرجانية يهدد قطاعاً حيوياً يعتمد عليه الاقتصاد الوطني ومخاطر صحية من تكلفة اقتصادية واجتماعية باهظة تنتج عن زيادة الوفيات والأمراض المرتبطة بالتلوث.
رابعاً: جهود مصر للحد من البصمة البيئية فقد تبنت الدولة استراتيجيات محورية لإعادة التوازن بين الاستهلاك والقدرة البيولوجية:
المحور الإجراء المتخذ الهدف المستهدف
التنوع البيولوجي إطلاق “الاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي 2030” حماية 30% من النظم البيئية وإدارتها بفعالية.
المناخ والطاقة تطبيق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة تغير المناخ التوسع في الطاقة النظيفة والتحول للاقتصاد الأخضر.
المحميات الطبيعية دعم وتطوير 31 محمية طبيعية قائمة تنشيط السياحة البيئية وحماية الأنواع المهددة.
ختاما تُعدّ النظم البيئية السليمة ضرورية لبقاء الإنسان وجميع الكائنات الحية الأخرى. ومع ذلك، ومع تزايد عدد السكان واستهلاكهم، تواجه هذه النظم البيئية ضغوطًا متزايدة تُهدد سلامتها. يُعدّ حساب البصمة البيئية أداة إدارية لتوجيه القرارات نحو نتائج أفضل، تُمكّن الجميع من الازدهار على كوكبنا الذي يدعم الحياة.
بقلم: ا.د/ عاطف محمد كامل أحمد-سفير النوايا الحسنة- مؤسس كلية الطب البيطرى جامعة عين شمس استاذ ووكيل الكلية لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة والمشرف على تأسيس ورئيس قسم الحياة البرية وحدائق الحيوان – عضو اللجنة العلمية والإدارية لإتفاقية سايتس- والخبير الدولى في الحياة البرية والمحميات الطبيعية والتنوع البيولوجى باليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية والإتحاد الدولى لحفظ الطبيعة (IUCN) وخبير البيئة والتغيرات المناخية بوزارة البيئة- مؤسس المركز الإقليمى لأبحاث المحميات الطبيعية ومتحف الحياة البرية –بكلية الطب البيطرى جامعة قناة السويس- المستشار العلمى لحديقة الحيوان بالجيزة ولرئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية لحدائق الحيوان -عضو الجمعية العالمية لحماية الحيوانات -(WSPA)-الأمين العام المساعد للحياة البرية بالإتحاد العربى لحماية الحياة البرية والبحرية- جامعة الدول العربية ورئيس لجنة البيئة بالرابطة المغربية المصرية للصداقة بين شعوب العالم




