
علاقتي بالجيش المصري شخصية بحتة، لا أكاديمية ولا بحثية. أنا لست مؤرخًا ولا محللًا استراتيجيًا، بل إنسان عاش قرنًا تقريبًا، شاهدًا على تقلبات أربعة أنظمة عسكرية حكمت مصر. ملاحظاتي انتقائية وذاتيّة، نابعة من تجاربي الخاصة ومن ميولي التي بطبيعتها تميل بعيدًا عن الحياة العسكرية. لكن ما أكتبه هنا هو شهادة صادقة على حقبة من تاريخنا عاشها الشعب المصري، على أجيال تغيرت وعلى قيادات تركت بصماتها في وجداننا.
عبد الناصر.. زعيم الأمة وأفريقيا
في عهد جمال عبد الناصر، كان الرجل حاضرًا في كل بيت وقلب. أعطى المصريين الأمل والسعادة، رغم أنه كان يُتقن سياسة “إعطاء ما لا يملك لمن لا يملك”. الإعلام كان بارعًا في تصوير الهزائم على أنها انتصارات، حتى استقالته بعد الهزيمة الساحقة لم نصدقها. الملايين خرجت إلى الشوارع نهتف له: “ناصر غيره ما فيش”.
رفيق دربه وقائد قواته، الذي كان يحصد الألقاب والترقيات بعد كل هزيمة، انتهى به الأمر إلى الانتحار. ومع ذلك، أقيمت له جنازة عسكرية مهيبة، ونال لقب “شهيد”. وهنا مفارقة مؤلمة: حسب العرف الديني، من يقتل نفسه يُعتبر كافرًا، لكنه نال لقب “الشهيد الكافر”، ولم ينله أحد قبله في تاريخ مصر.
عبد الناصر كان رمزًا للكرامة والعطاء، عاش في قلب وعقل وروح المصريين. كل وعد قدمه كان صادقًا بالنسبة لنا، وكل خطاباته كانت مصدر إلهام وأمل. لقد أسر قلوبنا جميعًا، وأثبت أن القيادة يمكن أن تكون محبوبة ومُلهمة حتى في أصعب الظروف.

السادات.. الزعيم المؤمن
جاء أنور السادات بعده، وزعيمًا مؤمنًا بقوة الجيش لكنه مختلف في الأسلوب. فضح المستور، اعتلى عرش الطاووس، وترك الجيش يبني نفسه بعيدًا عن الأضواء والإعلام. كانت النتيجة أعظم انتصار عرفته مصر في العصر الحديث.
شعاره كان: “أنا غلبان… أنا محتاج”، وعُرف بوعوده الكبيرة، بما في ذلك وعده لكل مصري بامتلاك سيارة. لكن الواقع، كما تعلمنا، كان أضيق من الأحلام: طرقات مصر لم تكن لتسع إلا لأقلية بسيطة من السكان. مع ذلك، ترك إرثًا من الانتصار والأمل، ورسم مثالًا على أن القيادة الحكيمة يمكن أن تحقق الإنجازات دون استعراض دائم أو ضجيج إعلامي.
مبارك.. الاستقرار بلا أفق
ثم حلّ عهد حسني مبارك، امتد ثلاثين عامًا، طويل وثقيل. لم يحمل كاريزما عبد الناصر، ولا جرأة السادات. حكم مصر بعقلية الطيار الحذر: لا يغامر ولا يبتكر، يسير بها بهدوء، كأنه يطير على ارتفاع منخفض لا يريد أن يسقط ولا أن يحلق عاليًا.
الجيش ظل يعمل في صمت، ممتدًا في الاقتصاد والسياسة شيئًا فشيئًا. أما الشعب، فكان يعيش “استقرارًا بلا تقدم، أمنًا بلا حرية، حياة يومية بلا أفق”. الوعود كانت أقل، والأحلام أضيق، والناس تعودت على أن تعيش يومها فقط، بلا انتظار لمستقبل كبير.
الجيش بين الماضي والحاضر
بعد أن كان الجيش “الحاكم”، صار اليوم أيضًا “البنّاء”. يبقى التحدي الأكبر: كيف نوازن بين دولة مدنية حرة وجيش قوي يساهم في التطوير دون أن يبتلع المجال العام؟
ورغم ميلي الطبيعي بعيدًا عن الحياة العسكرية، لا يمكن إنكار أن الجيش أصبح شريكًا أساسيًا في بناء مصر الحديثة، في تطوير البنية التحتية والمشروعات القومية، وفي إحداث فرق ملموس في حياة المواطنين. وبين الحكم والبناء، يبقى السؤال: هل يمكن أن يظل هذا الدور متوازنًا بين القوة المدنية والعسكرية لصالح الشعب؟





