أخباررأيرئيسي

مهندس محمود راجح يكتب..الفرص الضائعة لمصر في أزمة الصناعة الأوروبية

مساحة إعلانية مساحة إعلانية

بينما يعيش القطاع الصناعي في أوروبا واحدة من أعتى أزماته ويُعيد تشكيل نفسه تحت وطأة التكاليف، تهرول دول كثيرة لاقتناص الفرص السائبة هناك. في مصر، ما زلنا نكرر الترجيع التقليدي: “نريد جذب استثمارات جديدة”، بينما نغفل عن شيء أكثر واقعية وأسرع أثرًا: استقطاب خطوط الإنتاج والمصانع التي تحزم حقائبها وتغادر القارة العجوز.

المعادلة بسيطة؛ أوروبا اليوم تعاني من قفزات أسعار الطاقة، والاشتراطات البيئية الصارمة، والمنافسة الشرسة. هذا المناخ خنق شركات كثيرة وأجبرها على إغلاق خطوطها أو نقلها لدول أرخص.

مهندس محمود راجح

لكن المصنع الذي يغلق أبوابه هناك ليس مجرد “خردة”! هو خطوط إنتاج جاهزة، وأنظمة تحكم حديثة، وخبرة تشغيلية يمكن أن تُبعث فيها الحياة فورًا في بيئة استثمارية أكثر مرونة.

الصين لم تنتظر؛ شفطت في عقود مضت مصانع كاملة من قلب أوروبا وأعادت تركيبها على أراضيها. الهند فعلت الشيء نفسه ووفرت على نفسها سنوات من القفز في المجهول وبناء خطوط إنتاج من الصفر.

أما لدينا، فما زال السيناريو التقليدي هو السائد: ننتظر المستثمر حتى يشتري الأرض، ثم يبني، ثم يستورد المعدات، ويدرب العمالة… رحلة قد تستغرق سنوات طويلة! بينما نقل خط إنتاج قائم يختصر نصف الطريق بكلفة أقل، وينقل التكنولوجيا فورًا.

الأزمة ليست في الإمكانيات، بل في غياب “الرادار” الذي يلقط هذه الفرص قبل غيرنا.

والحل لا يحتاج ميزانيات ضخمة ولا تعقيدات إدارية.

كل ما نحتاجه هو “وحدة خلية أزمة” أو مجموعة عمل مرنة تضم ممثلين من التجارة والصناعة والاستثمار والخارجية. مهمتها محددة جداً: متابعة أخبار الشركات الأوروبية التي تعلن عن إعادة الهيكلة أو الإغلاق، والتواصل مع إدارة الشركة فوراً وقبل أن تُعرض المعدات في المزاد أو تذهب لدولة منافسة.

هذه الوحدة تبني قاعدة بيانات سريعة، وتقيّم ما يناسب سوقنا، ثم تعرض على الشركة الأوروبية حزمة جاهزة: أراضٍ مجهزة، تسهيلات إجرائية، وحوافز ترتبط ببدء التشغيل والتصدير الفعلي.

ولكي لا تتحمل الدولة قرشاً واحداً من خزانتها، يُترك أمر الشراء والتمويل للقطاع الخاص المصري أو العربي، وتكتفي الحكومة بدور المسهّل والمقرب للوجهات.

خريطة الصناعة العالمية تُعاد رسمها الآن. والدول التي تتحرك بخفة لن تظفر بآلات ومعدات فحسب، بل ستكسب توطينًا سريعًا للتكنولوجيا، وسلاسل توريد جاهزة، وفرص عمل، وأسواق تصديرية.

السؤال لم يعد: لماذا تغلق أوروبا مصانعها؟ بل: هل نملك السرعة والجرأة لاقتناص هذه المصانع قبل أن تسبقنا إليها دول أخرى؟

الفرص الصناعية لا تنتظر أحداً، ومن يكتفي بـ “المشاهدة” سيكتشف غداً أن خطوط الإنتاج التي كان يمكن أن تدور في مصانعنا، أصبحت تنتج وتصدر باسم دولة أخرى!

مهندس محمود راجح خبير صناعى فى ألمانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى