
لأكثر من سبعة عقود، جلس الدولار الأمريكي بثبات على عرش العملات العالمية، محصناً بقوة العادة والثقة في أقوى منظومة اقتصادية في العالم. لكن هذه الهيمنة التي صمدت أمام الحروب والأزمات، تواجه اليوم أخطر تهديد وجودي في تاريخها، والغريب أن الخطر يأتي من الداخل – من سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه.
صرخة إنذار تاريخية
في الثاني من أبريل الماضى، أطلق ترامب ما يشبه العاصفة النارية عندما أعلن فرض رسوم جمركية جديدة شديدة القسوة على كل شريك تجاري للولايات المتحدة تقريباً. هذه الخطوة لم تكن مجرد قرار اقتصادي عادي، بل كانت تتويجاً لنمط ثابت في حكم ترامب: “تسليح القوة الاقتصادية الأمريكية” وتحويلها إلى سلاح في صراعاته.

لماذا ظل الدولار ملكاً؟
لطالما استندت هيمنة الدولار إلى ثلاثة أعمدة رئيسية:
السيولة والاستخدام الواسع: يشكل الدولار 90% من تداولات العملات العالمية، ونصف معاملات نظام “سويفت” للمدفوعات الدولية.
وحدة الحساب العالمية: حتى عندما لا تكون أمريكا طرفاً في الصفقة، تُسعّر السلع من النفط إلى القمح بالدولار.
مخزن آمن للقيمة: يعتمد هذا على ثقة العالم في استقرار الاقتصاد الأمريكي واستقلال مؤسساته.
غياب المنافس الحقيقي
رغم الضجيج الإعلامي، يظل المشهد خالياً من بديل حقيقي:
اليوان الصيني: يقيده سوق مالي غير مفتوح ورقابة صارمة على تدفق رأس المال.
اليورو: يعاني من انقسامات داخلية وغياب اتحاد مالي حقيقي.
عملات البريكس: تظل حبراً على ورق في ظل التباين الشديد بين دول المجموعة.
كيف يحفر ترامب قبر الهيمنة الأمريكية؟
الخطر الحقيقي لا يأتي من المنافسين، بل من الداخل:
تسليح الاقتصاد: التعريفات الجمركية العشوائية تقوض ثقة العالم في أمريكا كشريك موثوق.
الإفراط في العقوبات: يدفع الدول للبحث عن أنظمة دفع بديلة بعيداً عن الدولار.
تقويض سيادة القانون: هجمات ترامب على استقلال القضاء والبنك المركزي تهز أركان الثقة.
تهديد مصداقية الديون الأمريكية: أي العبث بسندات الخزانة الأمريكية سيهرب المستثمرين.
عواقب كارثية للعالم أجمع
انهيار هيمنة الدولار لن تكون خسارته أمريكية فقط، بل سيدفع العالم كله الثمن:
- ارتفاع تكاليف المعاملات العالمية
- تعقيد المبادلات التجارية
- تراجع مستويات المعيشة
- فوضى اقتصادية عالمية
دروس التاريخ تنذر بالأخطار
لم يكن صعود الدولار حتمياً، ففي القرن التاسع عشر، كان الجنيه الإسترليني هو سيد العملات، وشعر الممولون البريطانيون بالأمان في هيمنته. لكن الحروب العالمية وعقود التدهور السياسي والاقتصادي أنهت تلك الهيمنة.
الان تقف أمريكا عند مفترق طرق مشابه. فإذا سقط الدولار أخيراً، لن يكون ذلك بسبب قدر محتوم، بل بسبب اختيارات إدارة ترامب التي قد تحول أقوى سلاح أمريكي إلى أول ضحايا سياساتها.
السؤال الآن: هل تدرك واشنطن أن عاصفة ترامب قد تجرف عرش الدولار والعالم معاً؟





