
في الحقيقة لن أمنح ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام أي عذر في الدفاع عن الحكومة أو عن أي قرار أو مشروع قانون لمجرد أن هذا دوره وهذه مهمته داخل الحكومة فالرجل قبل أن يكون وزيرًا هو صحفي خرج من مؤسسات صحفية كبيرة ومن المفترض أن لديه من الخبرة والثقافة ما يؤهله لتغيير أسلوب الخطاب الحكومي من خطاب تبرير إلى خطاب مقنع خطاب يعترف بالمشكلة قبل أن يعالجها وخطاب يصل إلى رجل الشارع بلغة الشارع نفسها.
خرج وزير الدولة للإعلام ليدافع عن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد بخطاب حكومي محفوظ عن التوازن والإنصاف لكنه تجاهل عمدًا الاعتراف بالوجع الحقيقي. لم يقل للناس إن هناك بيوتًا تنهار، وأطفالًا تائهة، وآباء محرومين من أبنائهم وأمهات مرعوبات من الغد. دفاع بلا اعتراف بالمشكلة هو هروب من المسئولية، والشارع لا يصدق من لا يعترف بوجعه أولًا
لكن الكارثة الأكبر لا تكمن في صياغة مشروع القانون، بل في “توقيت” طرحه تتصدى الحكومة لمشروع “يمس” بنية الأسرة المصرية في ذروة أزمة اقتصادية غير مسبوقة يعاني فيها المواطن من ارتفاع الأسعار وضغوط المعيشة وتآكل الدخل مجلس “النواب والحكومة” “تغافلا” عن حقيقة باتت “واضحة” للمتخصصين: أن الوضع الاقتصادي هو المحرك الأساسي لـ 80% من منازعات الأسر أمام محاكم الأسرة. الفقر يفجر الخلافات والغلاء يهدم البيوت والبطالة تزرع التوتر قبل أن تزرع الحوار.
وبدلًا من معالجة “الأصل” وهو الضغط الاقتصادي اختارت الدولة معالجة “الفرع” بتشريع جديد ففي الوقت الذي ينتظر فيه الشارع حلولًا لفاتورة الكهرباء والإيجار والمدرسة خرج مشروع القانون ببند يمنح الزوجة حق فسخ العقد إذا ثبت كذب الزوج وكأن الدولة تفتح باب النزاع القانوني قبل أن تفتح باب الرزق أي استقرار أسري يمكن أن يتحقق والأب يدخل بيته مثقلًا بالديون، والأم تحمل هم الغد والطفل يدفع ثمن أزمة لم يصنعها؟

ضياء رشوان وزير الدولة للاعلام
وتتضاعف المفارقة حين يأتي الدفاع من ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام. الرجل لم يكن موظفًا عابرًا بل “صحفيًا” كبيرًا خرج من أعرق المؤسسات الصحفية وصاحب رصيد مهني كان كافيًا ليمنحه حصانة الإقناع قبل المنصب كان من المفترض أن يقدم خطابًا “مختلفًا” خطابًا يعترف أولًا بالمشكلة ثم يلامس وجع الشارع، ثم يقدم الحل والعلاج. خطابًا يخاطب عقل المواطن وقلبه معًا لا يردد عبارات بيروقراطية جاهزة. لكن ما حدث هو العكس تمامًا. لم ينجح الوزير الصحفي في تغيير الخطاب وتحول من صاحب مهنة الإقناع إلى قارئ تبريرات. فأين الفرق بين خطاب صحفي مخضرم وخطاب موظف تقليدي؟ هذا هو السؤال الذي طرحه الشارع بعد الدفاع.
وتزيد المفارقة حين يبرر الوزير بأن الحكومة “اجتهدت” في مشروع القانون وأن لها “أجرين”. وأكد رشوان بنفسه أن دور الحكومة انتهى بتقديم مشروع القانون للبرلمان وأنها “أصابت ولها أجران” نظرًا لما بذلته من جهد لتحقيق التوازن بل وزاد بأن الحكومة اقترحت “لجنة مشتركة” مع البرلمان لتقليل الخلاف قبل الإقرار لكنها في الوقت نفسه أعلنت نهاية دورها وكأن الدولة بتسلم المفتاح وتطلب من الناس تفتح الباب.
أي أجر يطالب به رشوان للحكومة؟ أجر على توقيت خاطئ يضرب استقرار الأسرة في عز الغلاء؟ أم أجر على تجاهل الوجع المعيشي الذي أنهك المواطن؟ تصريح كهذا لا يهدئ النفوس بل يشعلها ويزيد من احتقان الشارع. فبدلًا من معالجة المعاناة بخطاب يعترف بالأزمة ويقترح حلولًا زاد الوزير من وطأة الشعور بالغربة بين الدولة والناس.
الأخطر أن مشروع القانون فتح بابًا للشك بدلًا من أن يغلقه. ما هو تعريف الكذب قانونًا وشرعًا؟ هل إخفاء الدخل كذب؟ هل السن كذب؟ هل اختلاف الطباع كذب؟ ومن الجهة التي تثبت الضرر الواقع على الزوجة؟ وإذا كانت الزوجة تملك حق الفسخ برواية فأين حق الزوج إذا اكتشف كذب الزوجة؟ مشروع القانون زرع الخوف في العلاقة الزوجية بدلًا من أن يزرع الأمان وحول محاكم الأسرة إلى ساحة روايات متضاربة يصعب فيها الوصول إلى الحقيقة.
والصدمة الأكبر أن كل هذا الجدل يدور حول مشروع قانون يمس الشريعة وأحوال المسلمين الشخصية ومع ذلك لم نسمع كلمة واضحة عن عرض واضح على الأزهر الشريف. المرجعية الأولى غائبة عن المشهد والسؤال معلق في الهواء: أين الأزهر من الحوار؟ كيف نسن مشروع قانون يخص الزواج والطلاق دون ضمانة شرعية تحميه من الطعن وتحمي الناس من الفتنة؟ هذا ليس ترفًا فقهيًا هذا مسئولية دولة
الحكومة اختارت أسهل طريق: تشريع سريع بدل حل جذري لكن الأسرة المصرية لن تستقر بمشروع قانون حتى لو كان عادل طالما الأب راجع البيت مقهورًا من الديون وطالما الأم شايلة هم بكرة وطالما الطفل محروم من أبسط حقوقه المشاكل لن تتوقف عند “الكذب”، ستبدأ من الفاتورة غير المدفوعة ومن الإيجار الذي ارتفع ومن المدرسة التي صارت عبئًا.
لا أحد ضد إصلاح مشروع قانون الأحوال الشخصية الكل يريد مشروع قانون يحمي الزوجة من الظلم ويحمي الزوج من الافتراء ويحمي الطفل من الضياع. لكن الإصلاح الحقي يبدأ من الاقتصاد ثم يمر بحوار مجتمعي واسع ثم يعرض على الأزهر الشريف. الإصلاح لا يبدأ بفرض مشروع قانون في توقيت خاطئ على شعب مثقل بل باعتراف أن الأزمة اقتصادية قبل أن تكون تشريعية.
الخلاصة ياسيادة: الأسرة المصرية لا تحتاج مشروع قانون يصدر في عز الأزمة بل تحتاج دولة تعترف أن الضغط المعيشي هو أم المشاكل كلها مشروع قانون يرضي الله أولًا. ثم يرضي الأزهر ثم يرضي الزوج والزوجة معًا لا يمنح طرفًا سلاحًا على حساب الآخر. هذا هو مشروع القانون الذي يستحق الدفاع وهذا هو الوقت الذي تستحق فيه الأسرة الإنصاف لا المزيد من الأعباء.




