عايز تبيع أي حاجة؟ كوكب نيوز هو الحل!

باقة إعلانية شاملة بـ 50 جنية فقط.. لآلاف المشترين

اعرض الآن 🚀

🏛️ الدليل الشامل للخدمات الحكومية!

الأحوال المدنية، الجوازات، التأمينات، التموين، المرور، الإسكان - كل الخدمات في مكان واحد

تصفح الدليل 📋
رأي

الأمومة المفقودة!! بقلم الإذاعية: سمر محمد إذاعة الأدب العربي باتحاد كتاب مصر

في زحام الأيام، وبين عقارب الساعة التي لا تكف عن الركض، تقف المرأة العاملة عند مفترق طرقٍ شديد القسوة؛ بين قلبٍ يتوق إلى متابعة أدق تفاصيل طفولة أبنائها، وواقعٍ لا يمنحها ترف الاختيار.
فليست كل امرأة خرجت إلى العمل مدفوعةً بالطموح، أو باحثةً عن مجدٍ شخصي، أو ساعيةً إلى إثبات الذات كما يتصور البعض. إن كثيرًا من الأمهات خرجن إلى ميادين العمل وهنَّ يحملن فوق أكتافهن عبء أسرةٍ كاملة، بعد أن وجدن أنفسهن يؤدين دور الأم والأب معًا. يعملن لا حبًا في الانشغال، بل خوفًا من أن يطرق العوز أبواب أطفالهن، أو أن تنكسر أعينهم الصغيرة أمام احتياجٍ لا يجد من يسدّه.
ومع ذلك، لا يزال المجتمع ينظر إلى بعض النساء العاملات نظرةً سطحية قاسية، فيظن أنهن يعشن حياةً مرفهة، وأن العمل بالنسبة إليهن رفاهية أو وسيلة لصناعة “كارير” شخصي، بينما الحقيقة أن كثيراتٍ منهن يخرجن كل صباح وقلوبهن مثقلة، يتركن خلفهن أطفالًا يتشبثون بأطراف ثيابهن، ويذهبن إلى أعمالهن مدفوعاتٍ بالضرورة لا بالرغبة.
تغادر الأم بيتها وقلبها يبقى هناك؛ عند طفلٍ كان يتمنى أن تطيل البقاء قليلًا، تمشّط شعره، أو تستمع إلى حكايته الصغيرة، أو تضمه إلى صدرها قبل أن يواجه يومه وحده. تمضي وهي تدرك أن هناك لحظاتٍ تنفرط من عمر طفلها دون أن تكون شاهدة عليها: أول كلمة، أول دمعة، أول خوف، وأول فرحة.
وقد صدق جبران خليل جبران حين قال:
“الأم هي كل شيء في هذه الحياة؛ هي التعزية في الحزن، والرجاء في اليأس، والقوة في الضعف.”
غير أن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح هو: من يكون التعزية للأم حين يرهقها السعي؟ ومن يمنحها الرجاء حين يثقلها القلق؟ ومن يربّت على قلبها حين تخوض معاركها اليومية وحدها؟
تعيش الأم العاملة صراعًا صامتًا لا يراه كثيرون. فهي في نظر البعض امرأة محظوظة تحقق ذاتها، بينما هي في حقيقتها روحٌ ممزقة بين مكانين؛ جسدها في العمل، وقلبها في البيت.
وكأن حالها يردد قول أحمد شوقي:
“وما نيلُ المطالبِ بالتمنّي
ولكن تؤخذُ الدنيا غلابا”
إنها تغالب الدنيا لا لتصنع مجدًا شخصيًا، بل لتحفظ لأطفالها حياةً كريمة، ولتكون لهم السند حين يغيب السند.
وقد عبّر حافظ إبراهيم عن مكانة الأم بقوله:
“الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها…أعددتَ شعبًا طيبَ الأعراقِ”
غير أن هذه المدرسة العظيمة كثيرًا ما تُطالَب بأن تكون قوية دائمًا، صلبة دائمًا، معطاءة دائمًا، دون أن يسأل أحد عن تعبها، أو عن الدروس القاسية التي تتلقاها هي من الحياة كل يوم.
والأمومة ليست طعامًا يُعدّ، ولا ثيابًا تُشترى، ولا مصروفًا يُوضع في يد طفل. الأمومة حضورٌ حيّ، وذاكرة تتشكل من أشياء صغيرة قد تبدو عابرة، لكنها تبقى في القلب إلى الأبد: حكاية قبل النوم، قبلة على الجبين، يد تمسح دمعة، وعين ترى ما لا يستطيع الطفل التعبير عنه.
وفي البؤساء، قدّم فيكتور هوغو صورة خالدة للأم التي تحترق بصمت كي تضيء حياة أبنائها.
الطفل لا يدرك حسابات الحياة، لكنه يشعر بالغياب كما يشعر بالدفء. وقد يغفر لأمه انشغالها حين يكبر، لكنه لن ينسى أبدًا تلك اللحظات القليلة التي وجدها فيها حاضرة بكل قلبها.
ومع ذلك، فإن الأم العاملة ليست مقصّرة، بل هي بطلة مجهولة تخوض حربًا يومية على جبهتين: جبهة الحياة، وجبهة القلب. تمنح أبناءها الأمان بينما تخفي خوفها، وتوزع الطمأنينة وهي بأمسّ الحاجة إليها.
الأبناء يشبهون الفصول؛ يمرون سريعًا كما يمر الربيع. وما إن تلتفت الأم حتى تجد أن الأيدي الصغيرة التي كانت تتشبث بها قد كبرت، وأن الأصوات التي كانت تناديها في كل لحظة صارت أكثر استقلالًا وهدوءًا.
الأمومة المفقودة ليست غيابًا كاملًا، بل ذلك الشجن النبيل الذي يسكن قلب أمٍّ أدركت أن أبناءها كبروا بينما كانت تركض لتؤمّن لهم الحياة. لم تفقد أبناءها، لكنها فقدت بعض اللحظات التي لا تُشترى، ولا يعيدها الزمن.
ويبقى في ذاكرة الأبناء، بعد أن تنقضي السنوات، ليس عدد ما وفّرته لهم أمهم من أشياء، بل مقدار الحب الذي شعروا به، والدفء الذي أحاطهم، والطمأنينة التي زرعتها في أرواحهم.
فطوبى لكل أمٍّ حملت فوق كتفيها أثقال الدنيا، ومضت رغم تعبها تحفظ لأبنائها حقهم في حياةٍ كريمة، حتى وإن دفعت من عمرها ومن قلبها ثمنًا لا يراه أحد. فهي، وإن بدت قوية أمام العالم، تحمل في داخلها أمومةً تشتاق كل يوم إلى وقتٍ أطول، وحضنٍ أهدأ، وطفولةٍ كانت تتمنى لو عاشت تفاصيلها كاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى