
تأقلمتُ وقبلت على مضض مع ما آل إليه أبناؤنا في المهجر: ازدواجٌ في المفاهيم، والثقافة، واللغة، والانتماء. وأسدلْتُ الستار منهزمًا مقهورًا على احتمال ضياع الهوية. ومع ذلك، لم يفارقني أمل خافت: أن يناديني الأحفاد يومًا بـ”جدو” بالعربية، ولو بلكنة متعثرة ونبرات بالكاد تُفهم. لم أعد أطمع في أكثر من ذلك. حقا
لقد عشتُ صراع الحفاظ على الهوية مع أبنائي، كما عاناه كل المهاجرين من جيلي. أتذكر بداياتنا جيّدًا: كنا نتحدث ونتحاور بلغتنا الأم، ثم سرعان ما كنا نشفق على صغارنا وهم يتعثرون في النطق والفهم، فنلين ونجاري سهولة الحديث بلغة هجينة؛ كلمة بالعربية وأخرى بالإنكليزية. وفي عجبٍ واندهاش، كنتُ أراقب كيف تتشكّل هوية جديدة لأطفالي، خليطٌ من ثقافتين، وحوارٌ غريب، ولغةٌ نصفها من الشرق ونصفها من الغرب، لكنها تُمارَس في البيت وعلى المائدة بانسجام عجيب، حتى بدا الأمر وكأننا أمام لغة جديدة لها قواعدها الخاصة.
أما في المدرسة، فكنتُ أراهم بوجهٍ آخر تمامًا: يذوبون في المجتمع الجديد بسلاسة وفرح، يتحدثون لغته نقية بلا شوائب، ويتصرفون وفق أعرافه من دون تردد. هناك لم يكن للخليط مكان، بل بدا عالمهم صافيًا واحدًا، وكأنه قدرهم الأبدي.
آه، آه، آه… أيها الإخوة، لو تعلمون هذا الألم! أن تحب هذا العالم الذي فتح لك أبوابه ومنحك فرصة حياة كريمة، وفي الوقت نفسه تتمزق داخلك خشية أن تخسر مع حبك له ما تبقى من هوية وعادات وتقاليد حملتها معك من الوطن الأول.اما عندما تعود للديار في زياره لابناء العم والاخوه فالامر اكثر صعوبه حقا واكثر غرابه





