
لم يكن القرآن يومًا موضع خلافٍ في قداسته، ولا في كونه كتاب الله المحفوظ، فذلك أمرٌ مقدس مستقر في القلوب قبل العقول، إنما كان الخلاف، ولا يزال في الصوت الذي يحمله، وفي الروح التي تودع بين آياته.
فهناك قرآن يُتلى ليُحيي النفوس، فتخشع له القلوب قبل الآذان، وهناك قرآنٌ يُؤدَّى أداءً جافًا، بلا رجفةٍ ولا مشاعر ولا أثر ولا تأثير.
ومن هنا تبدأ الحكاية… لا بين نصٍّ ونص، بل بين تلاوةٍ تسموا بالإنسان، وتلاوةٍ تهدم النفس البشرية تحت مسمى «الخشوع المصطنع».،
من أبواب التأثر، لا تهمة ولا جريمة، وأن الجمال إذا انضبط كان طريقًا إلى الخشوع لا خصمًا له.
وكان صلى الله عليه وسلم يمدّ قراءته، ويُرجّع صوته في مواضع، بما يؤسس لجمالية الأداء حين تكون منضبطة غير متكلّفة، ثم جاءت النصوص تُعلي من شأن الإتقان، فرفعت «الماهر بالقرآن» إلى مصافّ السفرة الكرام البررة، وربطت المنزلة في الآخرة بحسن الترتيل في الدنيا، لا بسرعة الأداء ولا بقسوته، ولا بحزنه، ولا بتجهمه!.
ومن هنا استقرّ علماء الدين الإسلامي على أن تحسين الصوت والتغنّي بالقرآن سُنّةٌ معتبرة، ما دامت تضبط الحروف، وتُقيم التجويد، وتزيد التدبر والخشوع، أما تحويل التلاوة إلى استعراضٍ لحنيٍّ، أو ضغطٍ نفسيٍّ يُنهك القلب، أو أداءٍ يُكسر المعنى باسم الهيبة، فليس من هدي القراءة، ولا من روح القرآن التي نزلت هدايةً ورحمةً للعالمين.
إنه سر إلهي أن يحتفي القرآن الكريم بمصر، قبل أن تحتفي مصر بالقرآن الكريم، فمصر الدولة الوحيدة التي ذكرت في القرآن الكريم صراحة «5» مرات، كما ذكرت مجازاً أكثر من 74 مرة.
لم يقتصر الأمر على القرآن الكريم فحسب، بل سبقته الكتب السماوية المقدسة التي خلدت اسم مصر بين صفحاتها، فذكرت مصر في الكتاب المقدس «العهد القديم» أكثر من 700 مرة، منها نحو 291 مرة في التوراة فقط، ونحو 25 مرة في العهد الجديد، مما يعكس حضورًا روحانيًا وتاريخيًا لمصر كأرض مقدسة حاضنة للكتب السماوية.
دولة التلاوة.. فكرة عبقرية أعادت لمصر عرشها المسلوب
من هذا المنطلق النوراني، ولدت الفكرة العبقرية لبرنامج «دولة التلاوة»، لا ليكون مجرد برنامج استعراضي، بل استعادة حية لعرش التلاوة المسلوب، واستمراراً لمدرسة مصرية سطرت تاريخاً من الجمال والإتقان والإيمان.
وفي هذا المقام، لا يفوتني الإشادة والعرفان بجميع من أسهم في إنجاز هذا المشروع، وفي مقدمتهم صاحب الفضيلة الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، والشيخ العارف حسن عبد النبي، والدكتور طه عبد الوهاب، والقارئ الشيخ طه النعماني، والداعية الإسلامي مصطفى حسني، وقيادات الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية.
وختاماً.. لابد وأن نٌسلم بأنَّ هذا البرنامج ليس مجرّد مسابقة عابرة، بل هو مشروعٌ حضاريٌّ راسخ، يرفع لواء الذَّود عن روح القرآن في زمن التيه الصوتي، وهنا في هذه المساحة المقدَّسة بين الصَّوت والرُّوح، تقف مصر بشموخٍ لتعلن للعالم أجمع: «هنا دولة التلاوة.. هنا دولة القرآن الكريم».





