
مقدمة:
أصبحت مشكلة المغالاة في مهور الزواج في المجتمع المصري واحدة من أكبر العقبات أمام الشباب حيث تحول الزواج إلى “مزاد” بسبب التقاليد الاجتماعية والتنافس بين الأسر. فالمهور التي كانت رمزًا للاحترام والحقوق أصبحت تتجاوز مئات الآلاف من الجنيهات، مع إضافة قائمة المنقولات والشبكة الذهبية والتجهيزات الفاخرة مما يعكس تأثير الإعلام والدراما في ترويج التبذير كدليل على “الوجاهة”، وهذه المغالاة تعود جذورها إلى الجهل بالأحكام الشرعية التي تدعو للتيسير كقول النبي صلى الله عليه وسلم: “أعظم النساء بركة أيسرهن صداقًا”، ومما يزيد من حدة المشكلة الضغوط الاقتصادية وضعف الدخول فتجد الأسر تلجأ للاستدانة وإيصالات الأمانة، مما يؤدي إلى مديونيات طويلة الأمد وتأخير الزواج أو حتى العنوسة، والنتيجة: إحباط نفسي وارتفاع معدلات الطلاق وتفشي الفساد والانحراف والرذيلة بسبب الإعراض عن الحلال، وهو ما يهدد استقرار المجتمع ككل.
أسباب المشكلة:
ترجع هذه المشكلة إلى أسباب متعددة ومترابطة، ومنها التقاليد الاجتماعية التي تحول الزواج إلى عرض للثراء والوجاهة حيث ترى بعض الأسر في المهور الكبيرة رمزًا للشرف والضمان لحقوق الفتاة في حال الطلاق مما يدفع لرفعها إلى مئات الآلاف من الجنيهات، ومنها الجهل بالأحكام الشرعية التي تلعب دورًا كبيرًا إذ يدعو الإسلام إلى التيسير كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم “أعظم النساء بركة أيسرهن صداقًا” ولكن غياب الإرشاد الديني الفعال يجعل الأسر تتمسك بالعادات الفاسدة، وأيضًا التنافس بين العائلات في تجهيز العروس بالمنقولات الفاخرة والشبكة الذهبية والتي تزيد من الأعباء وذلك نتيجة التأثر بالإعلام والدراما التي تروج للتبذير كدليل على النجاح، وأخيرًا عدم وجود قوانين صارمة تحد من هذه المغالاة مما يعزز الظاهرة.
آثار المشكلة:
لهذه المشكلة آثار وخيمة ومتعددة الأبعاد حيث تؤدي: أولاً إلى تأخر سن الزواج وعزوف الشباب عنه بسبب العجز المالي مما يرفع معدلات العنوسة إلى ملايين الفتيات والشباب ويولد إحباطًا نفسيًا عميقًا يؤثر على الصحة النفسية والاجتماعية، وأيضًا تدفع الشباب للاستدانة والوقوع في دوامة الديون والقروض طويلة الأمد مما يحولهم إلى “غارمين” يعانون من ضغوط مالية تستمر لسنوات، كما تؤدي إلى تفكك أسري أو ارتفاع الطلاق قبل الدخول بسبب خلافات حول المهور المرتفعة وذلك على المستوى المجتمعي، وتزيد الظاهرة من انتشار الزواج العرفي والانحرافات الأخلاقية مثل تعاطي المخدرات والإدمان وانتشار الرذيلة وغيرها نتيجة الفراغ والإحباط، وبالإضافة إلى زيادة الدعاوى القضائية وعدم استكمال مراحل الخطوبة والزواج، مما يهدد استقرار المجتمع ويحول الزواج من رابطة محبة إلى عبء اقتصادي يعيق بناء الأسر السليمة وبناء المجتمعات.
سبل مواجهة المشكلة:
إن سبل مواجهة هذه المشكلة تتطلب جهودًا مشتركة بين الأسر والمؤسسات، وذلك بدءً من نشر التوعية الدينية والاجتماعية لتعزيز قيم التيسير كما أكد شيخ الأزهر في برنامجه حيث يدعو إلى عودة الزواج إلى بساطته الإسلامية من خلال ثلاث خطوات رئيسية: أن يتصدر العلماء والمثقفون المثال بتقليل كلفة زيجات أبنائهم، ومنع مظاهر التبذير في الأفراح عبر الإعلام والنوادي، وبناء وحدات سكنية صغيرة بأقساط ميسرة للشباب. كما يُنصح بتفعيل دور المؤسسات الدينية لتجديد الخطاب الشرعي الذي يحارب العادات الفاسدة، مع إرساء قيم المشاركة بين الأسرة والمدارس والإعلام لتربية الأجيال على الزواج الحقيقي بعيدًا عن الطمع وتشجيع المهور الرمزية كخاتم حديد كما في السنة النبوية “أقلهن مهرًا أكثرهن بركة”. أخيرًا يجب على الدولة سن قوانين تحد من الغلاء ودعم الشباب بقروض ميسرة وبرامج سكنية، لتحويل الزواج من عبء إلى بركة وتنمية مجتمعية.
خاتمة:
وختامًا يمثل غلاء المهور في المجتمع المصري تحديًا اجتماعيًا يهدد مستقبل الأجيال، ولكنه ليس قدرًا محتومًا، بل يمكن تجاوزه بعودة جماعية إلى جوهر الزواج الإسلامي البسيط والمبارك، كما حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله “أعظم النساء بركة أيسرهن صداقًا”، وذلك إذا تصدَّر العلماء والمثقفون المثال بتيسير زيجات أبنائهم، ومنع الإعلام من مظاهر التبذير، ودعمت الدولة برامج سكنية ميسرة للشباب، وقوانين تحد من المغالاة، وفي هذه الحالة فإن الزواج سيعود رابطة محبة واستقرار، وليس عبءً ماليًا يولد العنوسة والإحباط. فلنبدأ اليوم بتغيير الثقافة، وبناء مجتمع يقدِّر الدين والخلق على المال، ويحقق بركة الأسر السعيدة لمصر كلها.






تعليق واحد