
الجنجاويد في أصلهم مجموعة من القبائل العربية الرحّل التي تعيش في إقليم دارفور بغرب السودان، مثل الرزيقات والمعالية والمحاميد وبني حسين وغيرهم. كانوا يعتمدون على الرعي والتنقّل بين مناطق السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى.
لكن مع الوقت، وبسبب ضعف الدولة والصراعات القبلية وظهور قطاع الطرق والميليشيات المحلية، بدأت هذه القبائل تُسلّح نفسها للدفاع عن مواشيها وقوافلها ضد اللصوص.
ومن هنا بدأ التحوّل الخطير:
المرحلة الاولى
بعض هذه المجموعات تحولت إلى ميليشيات مسلّحة تعمل لحساب الحكومة أو ضد قبائل أخرى.
تم تجنيدها رسميًا لاحقًا ضمن قوات أُطلق عليها “الجنجاويد”، التي استخدمتها الحكومة السودانية في حرب دارفور (منذ 2003 تقريبًا).
ثم تطورت لاحقًا إلى قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، التي أصبحت قوة شبه رسمية لها نفوذ واسع في السودان.
في التسعينات وبداية الألفية، كانت القبائل العربية الرحّل في دارفور تتعرض لهجمات من قطاع طرق ومتمردين قبليين، وكانت الدولة السودانية ضعيفة الحضور في تلك المناطق الواسعة.
فبدأت هذه القبائل تجمع السلاح بطرق غير رسمية لحماية قطعانها وقوافلها.
كان السلاح يأتي من السوق السوداء أو من تشاد وليبيا أحيانًا، حيث كان انتشار السلاح بعد حرب تشاد وليبيا أمرًا شائعًا.
المرحلة الثانية التسلّح الحكومي (بدعم رسمي)
فعندما اندلعت تمردات الحركات المسلحة في دارفور (2003) مثل حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، وجدت الحكومة نفسها في مأزق.
فبدأت تعتمد على الميليشيات المحلية العربية التي تعرف المنطقة جغرافيًا وتستطيع التحرك بسرعة.
تم تسليح هذه المجموعات رسميًا وبتنسيق مباشر من جهاز الأمن والاستخبارات السوداني، وبإذن من الحكومة، تحت شعار “الدفاع عن القرى ضد التمرد”.
هنا ظهر اسم “الجنجاويد” لوصف هذه الميليشيات التي صارت تقاتل جنبًا إلى جنب مع الجيش، لكنها اتُّهمت لاحقًا بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين.
المرحلة الثالثة: الاتهامات والضغوط الدولية (2003–2008)
بعد أن استخدمت الحكومة الجنجاويد ضد التمرد في دارفور، ظهرت اتهامات أممية ودولية ضدهم بارتكاب جرائم تطهير عرقي وجرائم حرب (قتل، اغتصاب، تهجير جماعي).
بدأت المحكمة الجنائية الدولية التحقيق، وصدر أمر توقيف ضد الرئيس عمر البشير وعدد من قادة الجيش.
الجنجاويد اكتسبوا سمعة سيئة عالميًا، فحاولت الحكومة إخفاء اسمهم رسميًا ودمجهم في أجهزة أخرى.
المرحلة الرابعة: إنشاء “قوات حرس الحدود” ثم “قوات الدعم السريع” (2013)
في محاولة لتقنين وجود الجنجاويد، أنشأت الحكومة “قوات حرس الحدود” أولًا، وكانت تحت إشراف جهاز الأمن والمخابرات.
ثم في عام 2013 تم تأسيس “قوات الدعم السريع” بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، أحد قادة الجنجاويد البارزين.
أصبحت هذه القوات تابعة لجهاز الأمن رسميًا، وتلقت رواتب وتسليحًا من الدولة، وشاركت في معارك داخلية وخارجية (مثل اليمن إلى جانب التحالف العربي).
المرحلة الخامسة: بعد سقوط البشير (2019)
بعد ثورة ديسمبر 2018 وسقوط البشير، أصبحت قوات الدعم السريع قوة سياسية وعسكرية مستقلة فعليًا.
حميدتي أصبح نائب رئيس مجلس السيادة، أي الرجل الثاني في الدولة.
توسعت قواته في الاقتصاد، وامتلكت شركات ذهب ونفوذ مالي ضخم، خاصة من مناجم جبل عامر في دارفور.
المرحلة السادسة: الصراع مع الجيش (2023 – حتى الآن)
مع محاولة دمج قوات الدعم السريع في الجيش وفق اتفاق سياسي، رفض حميدتي الصيغة التي تقلل من نفوذه.
اندلع الصراع في أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي.
تحولت الخرطوم ودارفور إلى ساحات حرب، وتفككت الدولة تقريبًا، مع اتهامات للدعم السريع بارتكاب فظائع في الفاشر ودارفور.
انهيار الدولة فعليًا في الخرطوم
مع بداية القتال، اجتاحت قوات الدعم السريع العاصمة الخرطوم وسيطرت على القصر الجمهوري ومطار الخرطوم وأحياء واسعة.
الجيش انسحب إلى قواعد رئيسية مثل قيادة سلاح المهندسين ومروي وبحري.
تحولت الخرطوم إلى مدينة أشباح: انقطاع الكهرباء والمياه، نزوح السكان، نهب واسع للمنازل والمستشفيات.
وفي غرب السودان، ولا سيما في إقليم دارفور، أصبحت قوات الدعم السريع هي القوة المهيمنة.
سيطرت على مدن كبرى مثل نيالا، الجنينة، زالنجي، كتم، وأجزاء من الفاشر.
حدثت مجازر واسعة بحق المدنيين، خاصة ضد قبائل الزغاوة والمساليت التي اتهمت بأنها تؤيد الجيش أو الحركات المسلحة المعارضة لحميدتي.
الأمم المتحدة وصفت بعض الأحداث بأنها جرائم إبادة جماعية جديدة.
ثم أصبح السودان منقسمًا فعليًا إلى قسمين:
الشرق والشمال (بورسودان، نهر النيل، الشمالية) تحت سيطرة الجيش.
الخرطوم ودارفور وأجزاء من كردفان تحت سيطرة الدعم السريع.
أقام كل طرف إدارة موازية:
الجيش أعلن حكومة مؤقتة في بورتسودان.
والدعم السريع أعلن إدارة مدنية مؤقتة في دارفور.
والان اصبح أكثر من 10 ملايين نازح ولاجئ داخل وخارج السودان.
المجاعة تقترب في بعض الولايات بسبب توقف الزراعة وقطع الإمدادات.
انهيار كامل في النظام الصحي، مع انتشار الكوليرا والملاريا.
بعض المدن (مثل الجنينة) دُمّرت بالكامل تقريبًا.
وعن المواقف الدولية والإقليمية
فمصر تدعم وحدة السودان وتؤيد الجيش رسميًا، وتستقبل لاجئين بالملايين.
اما الإمارات متهمة من قِبل بعض التقارير بدعم قوات حميدتي بالسلاح والمال (وهو ما تنفيه أبوظبي).
اما السعودية وأمريكا حاولتا الوساطة عبر محادثات جدة، لكنها فشلت أكثر من مرة.
وتشاد وأفريقيا الوسطى تضررت من تسلل المقاتلين واللاجئين.
اما حاليا فالحرب مستمرة بلا حسم.
الجيش يسيطر على الطيران والموانئ، والدعم السريع يسيطر على معظم المدن الكبرى في الغرب.
السودان يعيش حالة انقسام فعلي شبيه باليمن أو ليبيا.
وهناك مخاوف جدية من تفكك الدولة أو تحولها إلى مناطق نفوذ دائمة.





