
عبد الوهاب مرسي (1931-2021)لم يكن مجرد رسام، بل كان رحالةً بين العصور
في عالم تشكيلي تموج فيه التيارات وتتصارع المدارس، يظل بعض الفنانين صامدين كالجبال، يحفرون بهويتهم في صخور الزمن، ليقدموا للعالم فنًا لا يشبه سوى روح الأرض التي انطلقوا منها. واحد من هؤلاء هو الفنان الراحل عبد الوهاب مرسي (1931-2021)، الذي لم يكن مجرد رسام، بل كان رحالةً بين العصور، مستكشفًا لجذور الحضارة المصرية، وصانعًا لغة بصرية فريدة تزاوج بين عراقة الماضي وروح الحاضر وفى ذكرى وفاته فى شهر نوفمبر نستعرض معك عزيزي القارئ نبذه عن الفنان وبعض من أهم أعماله .
بدايات متوهجة وجذور ضاربة في التراث
ولد مرسي في محافظة الشرقية عام 1931، وتخرج في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1957. كانت بدايته الفنية معبرة عن روح المرحلة، ففي أعمال مثل “بعد الحرب” (1957) و “الحرمان” (1958)، نرى تأثره بالواقع الاجتماعي والنضال الوطني، حيث كانت فرشاته تسجل مآسي الإنسان المصري وأحلامه في ظل ظروف سياسية واجتماعية مضطربة.

لكن المحطة الأهم في رحلته كانت عمله في مركز تسجيل الآثار المصرية لمدة 18 عامًا (1958-1974). هناك، عاش يوميًا مع جداريات المعابد ونقوش المقابر، فتشرب روح الفن المصري القديم، ليس كمقلد، بل كوارث يتنفس من خلاله ليعيد صياغة ملامحه في قوالب معاصرة.
حين تتحول الهيروغليفية إلى لغة بصرية عالمية
تميز أسلوب مرسي بما يمكن تسميته “النحتصوير” – كما أشار الناقد حسين بيكار – حيث دمج بين التصوير والنحت البارز في عمل واحد. استخدم الرمال والعجائن الخشنة ليعطي لأعماله ملمسًا يشبه جدران المعابد، وليخلق حوارًا بين الماضي والحاضر.

لم تكن لوحاته مجرد استعادة للشكل الفرعوني، بل كانت “هيروغليفية عصرية”، تعيد إنتاج الرموز المصرية القديمة – من آدميين وحيوانات ونباتات ونجوم – في تكوينات تجريدية أحيانًا، وتعبيرية رمزية أحيانًا أخرى. لقد حوّل الموروث إلى لغة بصرية عالمية، يفهمها المتلقي رغم بعد الزمان والمكان.
محطات دولية وشهادات تقدير
لم يكن نجم مرسي يلمع محليًا فحسب، بل شارك في عشرات المعارض الدولية، من بينالي الإسكندرية والبندقية وباريس، إلى معارض في إسبانيا وألمانيا وسويسرا واليابان والمكسيك. وقد سجل اسمه في أهم الموسوعات الفنية العالمية مثل لاروس وروبرت الفرنسيتين، و Who’s Who الأمريكية، كما رُشح لنيل الدكتوراه الفخرية من جامعة ماركويز الأمريكية.
إرث فني خالد
ترك عبد الوهاب مرسي إرثًا ضخمًا من اللوحات الزيتية، والطباعات، والأعمال الجدارية، محتفظًا بروح مصرية خالصة في كل ما أنتج. توجد أعماله في متاحف مهمة مثل متحف الفن المصري الحديث بالقاهرة، والمتحف الملكي في إسبانيا، والبيت الأبيض في أمريكا، بالإضافة إلى مقتنيات خاصة حول العالم وتباع لوحاته فى المزادات العالميه بمئات الآلاف من الدولارات.
أهم الأعمال الفنية المميزة
من أبرز أعماله التي أصبحت أيقونات في الفن المصري المعاصر:


“المصريات” (1963) – سلسلة لوحات تجسد الهوية المصرية الخالصة

مصريات “الألعاب المصرية” (1960-1963) – أعمال تستلهم التراث الشعبي المصري

العاب مصريه 
العاب مصريه “التكوين” (1974-1980) – سلسلة من الأعمال التجريدية المستلهمة من الخط الهيروغليفي

التكوين “الطائر والتمساح” (1963) – لوحة تجمع بين الرمزية المصرية القديمة والموضوع المعاصر

الطائر و التمساح “حديث الرمال الدافئة” – سلسلة استخدم فيها الرمل كخامة أساسية

الرمال الدافئه
أعمال حفر 
رحيل الجسد.. وبقاء الروح
رحل الفنان عبد الوهاب مرسي في نوفمبر 2021، تاركًا وراءه مسيرة حافلة بالإبداع والتأثير. لم يكن فنانًا عاديًا، بل كان حارسًا للهوية، وجسرًا بين العصور، ومثالًا للفنان الملتزم بجذوره دون أن يكون أسيرًا لها.
في كل لوحة من لوحاته، نرى مصر تتحدث بلغة الألوان والخطوط والرموز، لتذكرنا أن الأصالة ليست عودة إلى الماضي، بل هي استمرار حي يتنفس في الحاضر، ويصنع المستقبل.












