
نحن معشر المهاجرين نحمل وجع الغربة والفراق والحنين كما يحمل الجسد ندبة لا تزول مهما طال الزمن، فالغربة ليست مكانًا بعيدًا بقدر ما هي شعور دائم يسكن القلب.
لكن أقسى ما نعيشه نحن المهاجرين ليس بُعدنا عن الأوطان، بل غربة أبنائنا عن انتمائنا، تلك الغربة التي لم نستطع أن نحميهم منها رغم كل ما بذلناه من جهد وحب وحرص. لم نقصّر أبدًا، زرعنا فيهم حب الوطن، وعشق الدين، ودفء الأهل، وعبق الماضي، علّهم يظلون مرتبطين بجذورهم كما الشجرة لا تنفصل عن تربتها، لكننا في الوقت نفسه زرعنا فيهم حب الحياة الجديدة، والانفتاح على المجتمع الذي استقبلنا، وأُعجبنا به، وانبهرنا بنظامه وعدله وحرّيته.
ومع مرور الأيام، كبر أبناؤنا في عالمٍ لا يشبه عالمنا، وبدأت الملامح تتبدّل شيئًا فشيئًا دون أن نشعر. لم ننتبه أننا صنعنا جيلًا متحوّرًا يمزج بين هنا وهناك، يحمل شيئًا من هذا وذاك، خليطًا من الشرق والغرب، من الأصالة والحداثة، من الانتماء والحرية. يجيبون بـ”نعم” حين نحدثهم عن قيمنا، ويجيبون بـ”لا” حين نطالبهم بالتشبث بها كما فعلنا نحن. يعيشون ازدواجًا ناعمًا كذوبان الملح في الماء، لا يُرى لكنه يُذاق، تارة مالح مستساغ، وتارة شديد الملوحة لا يُحتمل، وأحيانًا متوازن الطعم كأن شيئًا لم يتغير.

نقف حائرين بين الإعجاب بهم والخوف عليهم، بين الفخر بما أصبحوا عليه والحنين لما كنا نحن عليه. نحمل قلقًا لا ينتهي على هويتهم وانتمائهم، قلقًا يتضاعف حين ننظر إلى أحفادنا. فالأحفاد قصة أخرى، جيل جديد ناعم كحلاوة السكر في الماء، لذيذ المذاق لكنه يحمل في طياته مرض النسيان، نسيان الجذور واللغة والعادات. نحاول أن نغرس فيهم ما تبقى من رواسب الذاكرة، نحكي لهم عن الجدات وعن الأعياد وعن الأزقة القديمة، فينظرون إلينا بدهشة كأننا نحكي أساطير من زمن بعيد. يستمعون ويبتسمون، يندهشون ويضحكون، ثم يعودون إلى عالمهم المضيء بالشاشات والأصوات الغربية واللغات التي لم نتقنها نحن يومًا.
نكتفي بالدعاء لهم، أن يكون الغد خيرًا مما نتوقع، وأن يظل في داخلهم شيء صغير منّا، خيط رفيع يربطهم بالماضي فلا ينقطع تمامًا. ونتنهد تنهيدة المهاجر حين يغلبه الحنين، تنهيدة ثقيلة فيها وجع ورضا، حب وألم، خوف وأمل.
يا لهذاالقلق الغريب الذي يسكننا! ويا لهذا الزمن العجيب الذي جعلنا نعيش بين عالمين لا ننتمي تمامًا لأيٍ منهما! نحن الذين خرجنا بحثًا عن حياة أفضل فوجدنا أنفسنا نحمل في داخلنا حروب الهويّة، نحاول أن نصالح بين القلب والعقل، بين الوطن الذي يسكننا والوطن الذي نسكنه.
وما أقسى أن تدرك في لحظة أن العودة أصبحت مستحيلة، ليست لأن الطريق طويل أو الحدود مغلقة، بل لأن الزمن تغيّر ونحن تغيّرنا، والوطن الذي تركناه لم يعد كما كان، ونحن لم نعد كما كنّا. ومع ذلك يبقى في القلب حبٌ لا يزول، وحنينٌ لا يخبو، ودمعةٌ معلقة تنتظر لحظة صدق مع الذات.
ما أوجع أن ترى أبناءك غرباء عن جذورك، وأحفادك غرباء عن لغتك، وأن تدرك أنك مهما حاولت ستظل تمشي في طريق لا نهاية له
ما أصعب أن تكون مهاجرًا بين وطنين، لا أنت من أهل هذا ولا أنت من أهل ذاك، وما أوجع أن ترى أبناءك غرباء عن جذورك، وأحفادك غرباء عن لغتك، وأن تدرك أنك مهما حاولت ستظل تمشي في طريق لا نهاية له، طريق الغربة الأبدية التي تبدأ حين تغادر الأرض ولا تنتهي إلا حين تغادر الحياة.
ومع كل ذلك، تبقى الغربة مدرسةً قاسية تعلمنا الصبر والعزيمة، وتُعلّمنا أن الانتماء ليس فقط للأرض، بل للذاكرة التي نحملها في صدورنا، للقصص التي نحكيها، وللدعاء الذي نهمس به كل ليلة أن يحفظ الله أبناءنا وأحفادنا من التيه في زمنٍ يذيب كل ما تبقى من ثوابتنا.
تلك هي حكاية معشر المهاجرين، حكاية حب ووجع، حنين وقلق، انتماء وضياع، نعيشها كل يوم، ونعرف في أعماقنا أننا مهما ابتعدنا سنظل نحمل الوطن في قلوبنا، نحمله كما يحمل العاشق صورة حبيبٍ رحل ولن يعود، يبتسم كلما رآها ويبكي حين يطويها في قلبه، ثم يواصل الحياة على أمل لقاءٍ لا يأتي.

سعد عامر كاتب ومهاجر مصر
مقيم بالولايات المتحدة




