
سأشرح لكم كيف يُدار الاقتصاد العالمي اليوم بطريقة مجنونة فوضوية غريبة ومذهلة ،حقًا ثم أترك لكم أمر التفكير والتأمل.
اليابانيون يدخرون كثيرًا وينفقون قليلًا ويصدرون أضعاف ما يستوردون ولديهم فائض تجاري سنوي يتجاوز مئة مليار دولار، ومع ذلك يُقال إن الاقتصاد الياباني ضعيف ،بل على وشك الانهيار خصوصًا إن توقفت أمريكا عن الاقتراض منهم أما الأمريكيون فينفقون الكثير ويدخرون القليل ويستوردون أكثر مما يُصدرون.
ومع ذلك يُقال إن اقتصادهم هو الأقوى في العالم فمن أين إذًا يحصل الأمريكيون على المال، إنهم يقترضون من العالم كله من اليابان والصين والهند ودول الخليج وأوروبا كأن الأمم كلها تعمل وتدخر لكي ينفق الأمريكيون.
تُستثمر المدخرات العالمية في الولايات المتحدة في صورة قروض وأوراق مالية بالدولار ،حتى قيل،إن أمريكا تحتاج يوميًا إلى ملياري دولار جديدة من الاستثمارات لتواصل إنفاقها الصين وحدها تملك في خزانتها أكثر من تريليون دولار في سندات أمريكية.

واليابان أكثر من ذلك ودول الخليج تمتلك مليارات ربما تعادل عدة أضعاف ديون مصر .
وسأل خبير اقتصادي صيني سؤالًا ذكيًا ،من الذي استثمر أكثر أمريكا في الصين؟ أم الصين في أمريكا.
والجواب أن الصين استثمرت في أمريكا أضعاف ما استثمرته أمريكا فيها السر في قوة أمريكا ليس في إنتاجها فقط ،بل في شهيتها العارمة للإنفاق ،فهي تنفق حتى ما لم تكسبه بعد باستخدام بطاقات الائتمان أي أنها تستهلك من دخلها المستقبلي ،وما ينفقه الأمريكيون هو ما يجعل الآخرين يتهافتون على التصدير إلى أسواقهم إنها دائرة عجيبة ،العالم يدخر ليواصل الأمريكي الإنفاق.
ولو نظرنا إلى مصر لوجدنا أن ما جرى في أمريكا منذ عقود يجري عندنا في صورة أخرى فمصر أيضًا منذ خمسين عامًا تسير على درب الاقتراض تستدين لتسد عجزًا ثم تقترض لتسدد قرضًا ثم تعيد الكرّة وكأن الزمن يعيد نفسه .
ما بين واشنطن والقاهرة خيط غير مرئي من السياسة والاقتصاد كلاهما يعيش على المال المستعار أحدهما يقترض ليُنفق ويستمتع والآخر يقترض ليبقى
وما بين واشنطن والقاهرة خيط غير مرئي من السياسة والاقتصاد كلاهما يعيش على المال المستعار أحدهما يقترض ليُنفق ويستمتع والآخر يقترض ليبقى ويستمر لكن الفارق أن أمريكا تملك عملتها التي تطبعها وقتما تشاء ومصر تملك إرادتها التي تصبر بها وقتما تشاء عاشت مصر نصف قرن في دوامة القروض والدعم والديون.
بينما تصدر أمريكا ورقًا يسمى دولارًا تصدر مصر طاقة وجهدًا وعرقًا
كما عاشت أمريكا في دوامة الرفاه والاستهلاك ولكن بينما تصدر أمريكا ورقًا يسمى دولارًا تصدر مصر طاقة وجهدًا وعرقًا ومع ذلك يظل الميزان مختلًا وكأن العالم بُني على قاعدة غير عادلة ،ولأن لكل دين يومًا فإن النظام الاقتصادي العالمي سيبلغ حده حين يتوقف أحدهم عن السداد أو عن الإقراض فتتعطل عجلة الإنفاق ويبدأ السقوط الحقيقي ،وما أكثر من قالوا إن انهيار الاقتصاد الأمريكي مستحيل لكن التاريخ يقول غير ذلك ،فكم من إمبراطورية قامت على المال ثم سقطت حين ضعفت الثقة وسقط معها العرش والعملة والكرامة.

أما مصر فتبقى رغم الأزمات لأنها لا تعيش فقط على المال بل على الأمل لا تستمد حياتها من الأسواق بل من صبر أبنائها وإيمانهم بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
قد تتعثر وقد تنهض لكنها لا تسقط لأن جذورها في الأرض ووجهها نحو السماء إن الاقتصاد العالمي يقوم على خيط من الثقة وليس على رصيد من الذهب أو الإنتاج فلو اهتز هذا الخيط أو انقطع لسقطت منظومة المال كما تسقط النجوم من أفلاكها فالدولار الذي يسيطر على العالم ليس قوة في ذاته بل هو وعد مؤجل بثقة الآخرين فيه ومتى انصرف الناس عن هذا الوعد أو شكّوا في صدقه تبدلت الأرض غير الأرض وتغيرت موازين القوة ،فلو قررت الصين أن تبيع سنداتها أو أعلنت دول الخليج أن تعاملاتها ستكون بعملتها المحلية أو بعملة جديدة من الذهب أو الطاقة ،لاهتزت أمريكا كلها لأن قوتها في الطلب على عملتها وليس في مصانعها أو حقولها ،وما الدولار إلا زبد مؤقت يطفو على سطح التاريخ حتى يأذن القدر أن يغور كما غارت من قبله إمبراطوريات النقد والذهب.
وحين تشرق شمس التغيير من الشرق لا من الغرب سيتبدل وجه الأرض الاقتصادي وستدرك الأمم أن المال الحقيقي ليس ما يُطبع في المصارف بل ما يُزرع في العقول ويُستخرج من الأرض عندها فقط قد تتبدد سطوة الدولار وتبدأ دورة جديدة من التاريخ حيث تكون الكلمة العليا لمن يعمل لا لمن يقترض ولمن ينتج لا لمن يُنفق فالاقتصاد في جوهره مرآة للإنسان نفسه لطمعه وخوفه وأمانه وأحلامه فحين يطمئن الإنسان يقرض وحين يخاف يكتنز وحين يطغى ينهار معه كل ما بناه وهكذا تدور عجلة المال كما تدور الحياة تصعد أمة حين تؤمن بالعمل وتسقط أخرى حين تستسلم للوهم .
لقد صار العالم اليوم كمن يسير فوق حبل مشدود بين جبلين تحته هاوية من الديون وفوقه سماء من الوعود أمريكا تعيش على الاقتراض ومصر تعيش على الأمل وكلاهما يطلب النجاة من طريق مختلف لكن المصير واحد أن الاقتصاد لا يحيا طويلًا إن لم يكن قائمًا على إنتاج حقيقي وعدل في التوزيع وربما ينهار الدولار يومًا وربما تعلو عملات أخرى.
لكن الحقيقة الثابتة أن القيم الإنسانية هي التي تحدد بقاء الأمم لا أسعار الفائدة من يعمل يملك المستقبل ومن يزرع يحصد ومن يصدق في سعيه لا يخاف تبدل الأسواق ولا تبدل الأزمنة وحين يُدرك الإنسان أن المال وسيلة لا غاية وأن الاقتصاد إن لم يكن في خدمة الإنسان فهو عبودية جديدة عندها فقط سيولد نظام عالمي آخر أكثر عدلًا وأقرب إلى الفطرة تسوده المشاركة لا الاحتكار والإنتاج لا الاستدانة والتوازن لا الطغيان.
وإلى أن يحين ذلك الحين ستستمر الدورة كما هي وستصبح مصر مثل أمريكا جاذبة مستهلكة للديون والاستثمار حتى إشعار آخر .
وأنا كمهاجر أتساءل هل سيحمل أحفادي تبعات الديون كأمريكيين أم كمصريين أم سيكونون من جيل غير جيل ذي كما يسمونه جيل جديد جيل الوعي والحرية لا جيل الكوكو واوا الذي يستهلك أكثر مما يفكر.

كاتب مصري مقيم في نيويورك
إقرإ ايضا : من نيويورك..سعد عامر يكتب..السياسة… سراب العقول والقلوب




