
حوار: ناصر حسين
تُعد صناعة الدواء من أهم الصناعات الاستراتيجية في العالم، فهي تمس حياة الإنسان بشكل مباشر، وتعكس قوة أي دولة في تحقيق أمنها الصحي. مصر تُعتبر من الدول الرائدة في هذا المجال، إذ تمتلك قاعدة صناعية ضخمة وبنية تحتية قوية تؤهلها لتغطية السوق المحلي والتصدير إلى الخارج.
وفي هذا الحوار، يكشف لنا الدكتور إبراهيم السواح، خبير صناعة الدواء، ورئيس مجلس إدارة شركة ( Albac)، وعضو شعبة الدواء، والعضو السابق في عدة هيئات دوائية مصرية وعالمية، عن واقع صناعة الدواء في مصر، وحقيقة ما يُثار عن نقص الأدوية، ورؤيته لمستقبل الصناعة.

الإنتاج المحلي يكفي السوق ويغطي إفريقيا
▪ س: بداية، كيف ترى حجم إنتاج الدواء في مصر مقارنة باحتياجات السوق المحلية؟
> “مصر لديها صناعة دواء قوية تكفي السوق المحلي بالكامل، بل وتصدر للقارة الإفريقية وعدد من الدول العربية”.
يوضح الدكتور السواح أن مصر تمتلك ما يقرب من 180 مصنعًا للدواء، ما بين قطاع عام وخاص، وهو ما يمنحها قدرة إنتاجية كبيرة. ويضيف: “مصر لا تستورد سوى 5% فقط من احتياجاتها الدوائية، وهذه النسبة تقتصر على أدوية الأمراض المزمنة مثل الإنسولين ، بالإضافة إلى أدوية الأورام ، نظرًا لارتفاع تكلفتها وحاجتها إلى تقنيات متقدمة”.

لا وجود لنقص شامل في الأدوية
▪ يتردد كثيرًا في الشارع المصري وجود أزمة أو نقص في الأدوية، كيف تردون على ذلك؟
> “لا يوجد نقص شامل في الأدوية داخل مصر.. ما يحدث يقتصر على بعض الأصناف وفي أوقات محدودة”.
ينفي الدكتور السواح وجود أزمة عامة في توافر الأدوية، مؤكدًا أن السوق المصري يشهد وفرة في معظم الأصناف. ويضيف: “قد تختفي بعض الأدوية في أوقات معينة ثم تعود للظهور مجددًا، وهذه ظاهرة محدودة جدًا ولا تمثل أزمة حقيقية، خاصة مع وجود بدائل علاجية متاحة. الدولة وهيئة الدواء تتابع الأمر بدقة لضمان استقرار توافر الدواء في السوق المحلي”.

الدواء.. صناعة استراتيجية وأمن قومي
▪ هل يمكن اعتبار صناعة الدواء مجرد نشاط اقتصادي؟
> “صناعة الدواء ليست مجرد تجارة، بل هي صناعة استراتيجية وأمن قومي يتعلق بحياة الإنسان”.
يشدد السواح على أن الدولة أولت اهتمامًا خاصًا بهذا القطاع من خلال عدة مبادرات، أبرزها مبادرة اليقظة الدوائية، وهي نظام لمتابعة وتقييم الآثار الجانبية للأدوية والمستلزمات الطبية. ويشرح: “يقوم مركز اليقظة الصيدلية بهيئة الدواء المصرية .

الدولار.. من أزمة إلى انفراجة
كيف أثّر سعر الدولار والأزمات العالمية على استيراد الأدوية وخاماتها؟
> “مع بداية أزمة كورونا واجهنا صعوبة كبيرة في تدبير الدولار، لكن اليوم الوضع اختلف كثيرًا”.
يوضح السواح أن تدبير الدولار كان تحديًا كبيرًا في فترات سابقة خاصة مع تفشي فيروس كورونا، لكن حاليًا أصبح الأمر أكثر سهولة، حيث توفر البنوك احتياجات شركات الدواء من العملة الأجنبية خلال أسبوع واحد فقط. ويؤكد: “لم تعد هناك أزمة في الاستيراد أو توفير المواد الخام، وهو ما انعكس إيجابًا على استقرار السوق المحلي”، مشيرًا إلى أن هذا الاستقرار يمنح الصناعة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات.

نظام الـ Toll.. طاقة معطلة تبحث عن دعم
▪ ما تقييمك لنظام (Toll) ودوره في دعم صناعة الدواء؟
> “نظام الـ Toll يخلق فرص عمل ويزيد الاستثمارات، لكنه يفتقر للدعم الكافي من الدولة والبنوك”.

يفسر السواح أن نظام Toll يعني قيام شركات الأدوية بتأجير خطوط إنتاج من مصانع قائمة لتصنيع منتجاتها، وهو ما يساعد على استغلال الطاقات الإنتاجية المتاحة وتوفير فرص عمل جديدة. لكنه في الوقت نفسه يواجه تحديات كبيرة. ويضيف: “للأسف، لا يمنح هذا النظام نفس المزايا التي تحصل عليها الصناعات الأساسية؛ فلا يحظى بدعم كافٍ من اتحاد الصناعات، كما أن البنوك لا تقدم قروضًا للشركات التي تنتج عبر مصانع الغير. إذا أعيد النظر في هذا الأمر ومنحت هذه المشروعات الدعم المناسب، فسوف تكون إضافة كبيرة لصناعة الدواء الوطنية”.

مستقبل صناعة الدواء في مصر
في ختام الحوار، يؤكد الدكتور إبراهيم السواح أن صناعة الدواء المصرية تسير في الاتجاه الصحيح، وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى دعم المشروعات المتوسطة، وتسهيل التمويل، وتوسيع مظلة الرقابة والجودة، حتى تبقى مصر في مقدمة الدول المنتجة للدواء في المنطقة.
> “لدينا كل المقومات.. والمطلوب فقط هو تهيئة المناخ وتقديم الدعم، لنصنع الفارق ليس فقط لمصر، بل للمنطقة كلها”.




