عايز تبيع أي حاجة؟ كوكب نيوز هو الحل!

باقة إعلانية شاملة بـ 50 جنية فقط.. لآلاف المشترين

اعرض الآن 🚀

🏛️ الدليل الشامل للخدمات الحكومية!

الأحوال المدنية، الجوازات، التأمينات، التموين، المرور، الإسكان - كل الخدمات في مكان واحد

تصفح الدليل 📋
رأي

ابراهيم العمدة يكتب ..باسوس تبيع الموت بالمتر.. سلك مقلد يحرق البيوت

خلف أبواب مغلقة في باسوس، تُلف خيوط الألومنيوم لتعود إلينا حرائق تلتهم الأرواح والأحلام.

في باسوس بالقليوبية يظن البعض أن الخطر يأتي من بعيد من أزمة اقتصاد أو قرار حكومي أو كارثة طبيعية لكن الحقيقة أن الخطر الأكبر يسكن بين جدران بيوتنا مختبئًا في لفة سلك كهرباء اشتراها رب الأسرة وهو يظن أنه وفر جنيهات قليلة.
في باسوس مصانع بير السلم لا تصنع منتجات فقط إنها تصنع مآسي وتصنع حرائق وتصنع دموع أسر كاملة فقدت كل شيء في لحظة لأن سلكًا “مقلدًا” قرر أن يشتعل.

والكارثة تبدأ من تعريف الكلمة نفسها فهذه الورش الضيقة التي لا تتجاوز مساحتها غرفةاو غرفتين والتي تفتقر لأبسط اشتراطات الأمن الصناعي والتهوية والسلامة أطلقت على نفسها فجأة اسم “مصانع” بمجرد أن حصل صاحبها على سجل تجاري وبطاقة ضريبية ورقتان من مصلحة الضرائب والسجل التجاري كفيلتان بأن تمنحا الورشة لقب “مصنع” في عرف صاحبها فيصدق هو الكذبة ويبدأ في بيع الموت للناس على أنه منتج.

والسؤال هنا منذ متى أصبح السجل التجاري شهادة جودة؟ ومنذ متى أصبحت البطاقة الضريبية رخصة تصنيع منتج “يمس” حياة المواطنين بشكل مباشر؟ المصنع الحقيقي هو معمل “واختبارات” ومهندسون وفنيون وليس مجرد ورقة مختومة تمنح من خلف شباك.

الموضوع لا يبدأ عند مواطن اشترى سلكًا رخيصًا من محل كهرباء فقط بل يبدأ قبل ذلك بكثير يبدأ في هذه الورشة التي لا تعرف شيئًا عن هيئة التوحيد القياسي ولا عن “اختبارات” الجهد ولا عن معامل التحمل ماكيناتها ربما تكون قديمة وصدئة وخاماتها إما نحاس معاد تدويره أو خليط ألومنيوم مجهول وعزلها البلاستيكي هش لا يحتمل حرارة المصباح العادي كل ما تعرفه هذه الورشة هو كيف تطبع اسم شركة عالمية على الكرتونة وكيف تبيع المنتج بنصف السعر في الأسواق، وكيف تقنع التاجر بأن “كله شغال يا باشا”.

وهنا تبرز جريمة أخرى لا تقل خطورة جريمة “تقليد” العلامات التجارية. فمن أين حصلت هذه الورش على حق استخدام أسماء وشعارات شركات عالمية ومحلية عريقة؟ فكيف تستمر هذه العلامات المزورة في الظهور بالأسواق دون “رادع”؟ وأين دور جهاز تنمية التجارة الداخلية والملكية الفكرية في ضبط هذه “المخالفات”؟
العلامة التجارية ليست ديكورًا يُطبع على الكرتونه بل هي ضمانة وثقة بين الشركة والمستهلك وعندما “تُسرق” تُسرق معها سمعة الشركة ويُسرق معها أمان المواطن ضبط هذه المخالفات ومصادرة المنتجات “المقلدة” هو دور أصيل للجهات “الرقابية” المعنية، وهو ما ننتظره بفارغ الصبر “لحماية” السوق والمواطن معًا.

وهنا تكمن “المأساة” الحقيقية فالمستهلك البسيط لا يملك معملًا ليختبر السلك ولا يملك خبرة المهندس ليعرف الفرق بين النحاس النقي والنحاس المغشوش هو يرى كرتونة أو “لفه” عليها اسم معروف فيصدق ويدفع المال وهو مطمئن أن بيته سيكون آمنًا بينما هو في الحقيقة أدخل إلى جدران شقته عدوًا صامتًا ينتظر أي حمل زائد أو ارتفاع حرارة ليتحول إلى لهيب. معظم “الحرائق” التي نسمع عنها كل يوم، والتي تبكي عليها الأخبار ثم ننساها سببها المباشر سلك كهرباء “مضروب” خرج من ورشة ربما تكون من باسوس أو غيرها من بؤر “العشوائية” الصناعية.

لكن هل المسئولية تقع على التاجر فقط؟ أو على المواطن الذي بحث عن الأرخص؟ بالطبع لا “فالكارثة” تتسع عندما ندرك أن هذه الورش تعمل منذ سنوات “طويلة” وكأنها في جزيرة “معزولة” عن الدولة.

وهنا نصل إلى لب الموضوع ووجعه “غياب الرقابة” الفعالة ومباحث التموين والأجهزة المحلية كيف يمكن لورشة تصنع منتجًا “يمس” أرواح الناس بشكل مباشر أن تستمر لسنوات دون أن تدخلها حملة “تفتيش” واحدة؟ كيف تمر شاحنات محملة بمئات اللفات المقلدة من شوارع “باسوس” إلى تجار الجملة دون أن يسألها أحد عن فواتيرها أو مصدر خاماتها؟ أين دور الوحدات المحلية التي من المفترض أن تمنع توصيل الكهرباء والمياه لأي منشأة تعمل بدون ترخيص صناعي واشتراطات الأمن


المؤلم أن بعض أصحاب هذه الورش صدقوا “الكذبة” وصدقوا أنفسهم. صدقوا أنهم “أصحاب مصانع” لمجرد حصولهم على “ورقتين” ونسوا أن هناك أرواحًا معلقة في “منتجهم” نعم هناك في “باسوس” مصانع محترمة ومرخصة وتنتج أسلاكًا مطابقة للمواصفات والجودة وتستحق أن نفخر بها، لكن “وجود” هذه المصانع لا “يبرر أبدًا” استمرار الورش العشوائية التي “تعمل” في الظل وتشوه سمعة “الجميع” وتجعل المواطن يفقد الثقة في كلمة “صنع في مصر”.
“الخسارة هنا” ثلاثية “ومؤلمة” خسارة اقتصادية لأن الدولة “تخسر مليارات” الجنيهات من الضرائب والجمارك والمصانع الملتزمة “تخسر” السوق لصالح “منافس غشاش” لا يدفع جنيهًا واحدًا تأمينات أو ضرائب وخسارة قانونية لأن العلامات التجارية “تُنتهك” جهارًا نهارًا “دون رادع” “وخسارة إنسانية” لأن الثمن في النهاية يدفعه مواطن بسيط احترقت شقته أو فقد أحد أبنائه بسبب “ماس” كهربائي كان يمكن “منعه” لو وجدت “رقابة” حقيقية.
“القضية” إذن ليست قضية منافسة تجارية يمكن حلها بقانون استثمار جديد، بل هي “قضية أمن قومي” بكل معنى “الكلمة” أمن صناعي “يحمي” ما تبقى من مصانعنا الشريفة، وأمن قانوني “يحمي” العلامات التجارية من “التزوير” وأمن مجتمعي “يحمي أرواح” المصريين في “بيوتهم” والحل لا يحتاج إلى معجزات الحل يحتاج فقط إلى “إرادة” تطبيق القانون يحتاج إلى “حملات” مباحث تموين “مفاجئة ومستمرة” على “باسوس وغيرها” لا مرة كل عام بل كل شهر. يحتاج إلى تحرك “عاجل” من جهاز الملكية الفكرية “لمصادرة” المنتجات “المزورة ومحاسبة” المطابع التي تطبع الكراتين والملصقات “المقلدة” ويحتاج إلى قرار حاسم من الأجهزة المحلية بقطع المرافق عن أي ورشة تعمل بدون ترخيص صناعي حقيقى، لأن الورشة التي لا تستطيع دفع فاتورة كهرباء قانونية لن تستطيع الاستمرار في “القتل”.
“باسوس” اليوم أمام مفترق طرق فهي إما أن تظل “بؤرة للعشوائية” “والغش والخطر”، وإما أن تتحول إلى نموذج يحتذى به في الصناعات الصغيرة المنضبطة لديها أيادٍ عاملة ماهرة وخبرة متراكمة في صناعة الأسلاك، وكل ما تحتاجه هو “رقابة” عادلة تحمي الملتزم “وتعاقب العابث” كل ما تحتاجه هو أن تشعر أن الدولة موجودة وأن القانون ليس حبرًا على ورق وأن أرواح الناس وأموالهم وعلاماتهم التجارية أغلى من أي مكسب سريع.
في النهاية، حين نشتري سلك كهرباء نحن لا نشتري معدنًا ملفوفًا في بلاستيك نحن نشتري “أمانًا” لبيوتنا وأولادنا ومن حق كل مصري أن ينام ليلًا وهو مطمئن أن السلك في حائطه لن يتحول إلى “قاتل”، وأن العلامة المطبوعة على الكرتونة ليست كذبة كبيرة باسوس تصرخ اليوم وتقول إنها قادرة على الإنتاج والبناء، لكنها أيضًا تصرخ وتقول إنها مليئة بالخطر إن تركناها بلا رقيب. فهل “نسمع” الصرختين معًا “قبل” أن تتحول كل البيوت إلى رماد؟
وللحديث بقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى