
أجرى الحوار : د على بدر
في الوقت الذي تتحدث فيه الدولة المصرية عن دعم المجتمع المدني وتمكينه كشريك رئيسي في التنمية، تقف جمعية نادي الصقور للتنمية أمام واحدة من أخطر القضايا التي شهدها ملف العمل الأهلي خلال السنوات الأخيرة.
جمعية خرجت من رحم فكرة وطنية لحماية استقلال الرقابة في الدولة المصرية، وشارك مؤسسوها في معركة دستورية لترسيخ استقلال الجهاز المركزي للمحاسبات داخل دستور 2014، ثم تحولت لاحقًا إلى نموذج تنموي واجتماعي يخدم آلاف الأسر وينفذ مشروعات بالعاصمة الإدارية الجديدة.
-لكن المفاجأة الصادمة أن هذه الجمعية نفسها أصبحت اليوم تواجه دعوى قضائية تطالب بحلها وتصفية أموالها.
فما الذي حدث؟
وهل نحن أمام قضية قانونية حقيقية… أم أمام صراع داخلي تحوّل إلى معركة تهدد أحد نماذج العمل الأهلي في مصر؟
في هذا الحوار الاستثنائي، يتحدث إبراهيم يسري، رئيس مجلس إدارة نادي أعضاء الجهاز المركزي للمحاسبات، بصراحة غير مسبوقة عن تفاصيل الأزمة، ودور الجمعية الوطني، وحقيقة الصراع داخل مجلس الإدارة، ولماذا يعتبر ما يحدث تهديدًا لفكرة المجتمع المدني نفسها.
«لسنا جمعية عادية… نحن أبناء الجهاز الأعلى للرقابة في مصر»
في بداية الحوار، بدا واضحًا أن إبراهيم يسري لا يتحدث فقط بصفته رئيس جمعية أهلية، بل باعتباره أحد أبناء الجهاز المركزي للمحاسبات الذين ارتبطت حياتهم المهنية بفكرة الرقابة وحماية المال العام.
يقول: جمعية نادي الصقور ليست جمعية عادية، لأن أعضاءها هم أبناء الجهاز المركزي للمحاسبات، وهو الجهاز الأعلى للرقابة في الدولة المصرية.
ويضيف:نشأت الجمعية في الأساس من رحم فكرة وطنية بعد ثورة يناير، هدفها دعم استقلال الجهاز المركزي للمحاسبات وتعزيز دوره الرقابي.
وتابع:كنا نؤمن أن بناء دولة حديثة لا يمكن أن يتحقق دون أجهزة رقابية قوية ومستقلة تحمي المال العام وتحافظ على مؤسسات الدولة.
كنت ممثلًا لرئيس الجهاز في مناقشات الدستور
وعندما سألناه عن الدور الذي لعبته الجمعية وقياداتها في تلك المرحلة، كشف إبراهيم يسري تفاصيل مهمة لأول مرة.
وقال:في عام 2013 كنت ممثلًا لرئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، وقمت بعرض رؤية الجهاز خلال المناقشات المتعلقة بالأجهزة الرقابية والهيئات المستقلة أثناء إعداد الدستور.
ويضيف:شاركنا بقوة في الدفاع عن فكرة استقلال الأجهزة الرقابية، وضرورة النص عليها بصورة واضحة داخل الدستور.
ويتابع:كما شاركت مع عدد من قيادات ووكلاء الجهاز في لجان وفعاليات إعادة هيكلة وتطوير الجهاز المركزي للمحاسبات، والمساهمة في إعداد مشروع قانون الجهاز بما يتوافق مع الدستور.
«حملت لواء الظهور الإعلامي دفاعًا عن الجهاز»
ويؤكد رئيس الجمعية أن دوره لم يكن إداريًا فقط، بل امتد إلى الدفاع الإعلامي عن الجهاز المركزي للمحاسبات.
ويقول:في تلك الفترة تحملت مسؤولية الظهور الإعلامي للتعريف بدور الجهاز المركزي للمحاسبات وأهميته واستحقاقه الدستوري.
يضيف:كان هدفنا أن يفهم المجتمع أن الرقابة ليست رفاهية، وإنما حماية للدولة نفسها.
ويستطرد:وبفضل هذا الجهد، نجحنا في أن يتضمن دستور 2014 النصوص الخاصة بالأجهزة الرقابية والهيئات المستقلة وفق الرؤية التي دافعنا عنها.”
«فهل أصبح هذا الدور الوطني سببًا للعقاب؟»
وعندما سألناه عن شعوره تجاه دعوى حل الجمعية، صمت للحظات ثم قال:
بعد كل هذا الدور الوطني، وبعد سنوات من العمل لخدمة الدولة والرقابة والتنمية… نجد أنفسنا أمام دعوى لحل الجمعية وتصفية أموالها.
ثم يضيف:السؤال الذي يطرحه الناس اليوم: هل يُعاقَب من دافعوا عن استقلال الرقابة والعمل الوطني؟
«خدمنا أكثر من 31 ألف مستفيد»
وعن نشاط الجمعية، يستند إبراهيم يسري إلى تقارير النشاط الرسمية المعروضة على الجمعيات العمومية.
ويقول:حتى 30 يونيو 2024، قدمت الجمعية خدمات استفاد منها أكثر من 31 ألف مستفيد من أعضاء الجمعية وأسرهم.
ثم يستعرض أبرز الأنشطة التي قدمتها الجمعية:
- دعم التعليم والدراسات العليا
تمويل رسائل الماجستير والدكتوراه، - دعم المصروفات الدراسية،
- رعاية المتفوقين.
المساعدات الاجتماعية - دعم الأسر في حالات المرض والوفاة،
- صرف إعانات اجتماعية،
- مساعدة الحالات الإنسانية.
- الخدمات الاقتصادية
- تقسيط السلع المعمرة،
- توفير خدمات بأسعار مناسبة،
- تخفيف الأعباء الاقتصادية عن الأسر.
- الأنشطة الدينية والاجتماعية
- تنظيم رحلات العمرة،
- الرحلات الداخلية والخارجية،
- الاحتفالات الوطنية والثقافية.

ويضيف:حتى خلال جائحة كورونا، قدمت الجمعية أدوات التعقيم والرعاية الطبية بالمجان للأعضاء في مختلف المحافظات.
استجبنا لدعوة الدولة بالمشاركة في التنمية
لكن التحول الأهم – بحسب إبراهيم يسري – كان دخول الجمعية مجال التنمية العمرانية بالعاصمة الإدارية الجديدة.
ويقول:الرئيس عبد الفتاح السيسي أعلن أن المجتمع المدني شريك حقيقي للدولة في التنمية، ونحن استجبنا لهذه الدعوة.
ثم يكشف تفاصيل المشروعات:مشروعات على مساحة تقارب 70 فدانًا بالعاصمة الإدارية،آلاف الوحدات السكنية،مولات تجارية،مساجد،نوادٍ اجتماعية،مساحات خضراء وطرق.
ويضيف:سددنا ما يقارب 1.3 مليار جنيه قيمة الأراضي دون غرامات، ونجحنا في الحفاظ على استقرار المشروعات رغم التحديات الاقتصادية.
«لم نعمل من أجل الربح»
ويرفض رئيس الجمعية وصف المشروعات بأنها نشاط تجاري بحت.
ويقول:هدفنا لم يكن المضاربة أو الربح الشخصي، وإنما خدمة الأعضاء وتوفير وحدات وخدمات لهم بتكلفة عادلة.
ويضيف:أي فوائض مالية تم توجيهها لدعم الأنشطة الاجتماعية والخدمية للجمعية.
«الأزمة بدأت بسبب أقلية انقلبت على الأغلبية»
لكن أخطر ما كشفه إبراهيم يسري خلال الحوار كان حديثه عن جذور الأزمة الحقيقية.
ويقول:المشكلة لم تبدأ بسبب فساد أو مخالفات مالية، وإنما بسبب خلاف داخلي داخل مجلس الإدارة.
ثم يضيف:كانت هناك أقلية داخل المجلس رفضت احترام رأي الأغلبية وبدأت تعترض على كل القرارات.
ويتابع:الخلاف تطور إلى حالة من العصيان العلني، ثم إلى شكاوى متكررة للجهة الإدارية، ثم إلى حملات هجوم وتشويه عبر مواقع التواصل الاجتماعي.”
«كان يجب دعم الديمقراطية لا مكافأة العصيان»
ويؤكد رئيس الجمعية أن الجهة الإدارية – من وجهة نظره – تعاملت مع الأزمة بصورة خاطئة.
ويقول:كان المفترض أن يتم التأكيد على احترام قواعد الديمقراطية داخل الجمعية، وأن تلتزم الأقلية بقرارات الأغلبية وفق القانون.
ويكمل :لكن بدلًا من احتواء الأزمة، تحولت الشكاوى إلى مسار تصعيدي انتهى بدعوى حل الجمعية وتصفية أموالها.”
«أنشأنا لجنة للشفافية والحوكمة»
وفي مواجهة الانتقادات، يكشف إبراهيم يسري عن خطوة وصفها بأنها “دليل على رغبة الإدارة في الإصلاح والانفتاح”.
ويقول:قبل ستة أشهر أصدرت قرارًا بتشكيل لجنة الشفافية والحوكمة والإدارة الرشيدة.
..حددنا للجنة اختصاصات واضحة لدراسة كل الموضوعات والملفات قبل عرضها على مجلس الإدارة، وإعداد التوصيات الفنية والإدارية لضمان مزيد من الشفافية والمشاركة.
و يتساءل:هل من يسعى للحوكمة والشفافية يمكن أن يكون هدفه الإضرار بالجمعية؟ ،الرئيس دعا لدعم المجتمع المدني… فلماذا نُحارب؟،ويؤكد إبراهيم يسري أن القضية أصبحت تتجاوز حدود جمعية واحدة.
ويقول: الرئيس أعلن عامًا للمجتمع المدني وأكد أن الجمعيات شريك للدولة في التنمية.
ثم يضيف:نحن استجبنا لهذه الرؤية وشاركنا في التنمية وخدمنا الناس… فلماذا نجد أنفسنا الآن أمام دعوى حل وتصفية؟
القضية اليوم قضية مستقبل العمل الأهلي
وفي ختام الحوار، يوجه رئيس الجمعية رسالة قال إنها الأهم.
ويقول:القضية لم تعد قضية نادي الصقور فقط، بل قضية مستقبل العمل الأهلي في مصر.
ثم يضيف:إذا شعر الناس أن أي جمعية ناجحة يمكن أن تواجه هذا المصير بسبب خلافات داخلية أو صراعات شخصية، فإن ذلك سيهز الثقة في المجتمع المدني كله.
ويختتم حديثه قائلاً:نحن لا نطلب امتيازات… بل نطلب فقط العدالة، وأن يتم التعامل مع الكيانات الجادة باعتبارها شريكًا في البناء لا هدفًا للهدم.
اقرأ أيضا: دكتور على بدر يكتب..الحقيقة الكاملة لهجوم نجيب ساويرس علي ماسبيرو والعاملين فيه




