
،الديمقراطية شاخت وتحتضر وتموت
هذا هو الحديث الذي يملأ الشوارع والبيوت والقلوب منذ أن جاء ترامب إلى الحكم، كل يوم يزداد شعور الناس أنها ليست كما وعدوهم بها، ليست حرية حقيقية، ليست عدالة، ليست صوتًا يُسمع. الحقيقة المؤلمة أن الديمقراطية لم تُخلق لتحرير الإنسان، ولم تُصمم لتحقيق العدالة للجميع، بل غالبًا صُممت لتطبق حيث الثروة تتركز، حيث الأغنياء يملكون القرار والمال والنفوذ، حيث تُقهر الأقليات وتُقيد الطموحات، حيث تصبح القوة معيار كل شيء، وحيث مصالح الأغنياء أهم من حياة الشعوب.
لم تمت فجأة، ولم تنهار بضربة واحدة، ولم تُغتال على مرأى من العالم، بل شاخت ببطء كما يشيخ كل شيء حين يُستنزف أكثر مما يُغذّى وحين يُحمّل بما لا يحتمل منذ زمن بعيد. كانوا يقدمونها وكأنها نهاية التاريخ، وكأنها المفتاح السحري لكل مشاكل البشر، وكأنها الآلية التي إن وضعت في أي دولة انفتح الواقع واعتدل البشر، وكأنها الحل النهائي لكل الظلم. لكن الحقيقة التي لم يصرح بها أحد هي أن الديمقراطية حين خرجت من روح الإنسان وتحولت إلى عقيدة سياسية جامدة فقدت روحها وبقي شكلها فقط.
في أمريكا، حيث يُفترض أن النموذج ناضج، ظهرت علامات الشيخوخة مبكرًا، هيمنة المال على القرار السياسي، تحكم اللوبيات، إعلام يصنع الوعي لا ليحرر الناس بل ليديرهم، مؤسسات تتحرك بقوة القانون لكنها بلا عدالة حقيقية، والشعب يشعر أن صوته لا يغير شيئًا. الانتخابات صارت طقسًا بلا معنى حقيقي. فجاء ترامب ليكشف الحقيقة، قال ما كان يهمس به الجميع، حرّك غضبًا مكبوتًا لدى طبقات شعرت أن الديمقراطية لا تمثلها، بل تُستعمل، فانكشف فانكشف العطب الداخلي، لم تعد الديمقراطية حكمًا للشعب بل إدارة لانقسامه، تنظيم لغضبه، إعادة تدوير خيبته. ليست نهاية النظام، بل بداية شيخوخته العلنية.
أما في الدول الفقيرة، فإن المشهد أكثر قسوة وأكثر وجعًا. الديمقراطية هناك لم تدخل كخيار واعٍ بل كقالب جاهز مفروض على مجتمعات منهكة. التعليم ضعيف، الدولة مهترئة، الاقتصاد متهالك، العملية كلها هشّة منذ البداية. الانتخابات لا تُدار بالبرامج ولا تُحسم بالأفكار، بل بالولاءات وبالحاجات، يصوّت الناس ليعيشوا لا ليختاروا، يصوّتون خوفًا وجوعًا وأملًا ضعيفًا، فتتحول السياسة إلى سوق تُشترى فيه الأصوات، تُباع فيه الشعارات، وتتبادل فيه النخب الأدوار دون تغيير حقيقي. فساد ينتخب فسادًا، قوة تنتج قوة، والطائفة تحتمي بالطائفة، والقبيلة تصوّت للقبيلة، بينما يبقى المواطن الفرد خارج المعادلة، لا ممثل له، لا محمي، لا منصف.
النظام لم تنتج الديمقراطية عدالة ولا كرامة ولا تنمية، بل أعطت الفشل شرعية، وجعلت الظلم أكثر تنظيمًا. الديمقراطية هنا صارت أداة لإضفاء الغطاء القانوني على الظلم، أداة لتقييد الطموح وإبقاء الأغنياء في السلطة، أداة لتطبيقها حيث الثروة والقوة، لا حيث الحاجة والحرية.
وخارجيًا لم تُترك هذه الدول الضعيفة لشعوبها، بل صارت لعبة للآخرين. الدول الغنية والقوية لم تكن يومًا وسيطًا محايدًا، بل لاعبًا رئيسيًا في رسم حدود اللعبة الديمقراطية، صندوق الاقتراع مسموح به طالما النتائج لا تخرج عن مصالحهم، وعندما يحاول الشعب الخروج عن هذا الإطار تبدأ الضغوط، العقوبات، التشويه الإعلامي باسم حماية الديمقراطية، وهكذا تفوز الدول الغنية دائمًا، وفوزها لا يظهر على بطاقات الاقتراع لكنه حاضر في كل القرار، أما الشعوب فهي الخاسرة دوماً.
حتى عندما نرى دماء الأبرياء تُسفك في أماكن مثل غزة، يتضح حجم الفشل والازدواجية. الديمقراطية التي يُفتخر بها في الغرب، والتي تُصدّر للعالم، لا تمنع المجازر ولا تحمي الضعفاء، بل تدعم أقوى الأطراف، تصدّق القوة على الحق، والمال على العدالة. أولئك الذين يعارضون العنصرية والقهر يجدون أنفسهم بلا صوت، بلا حماية، أمام آلة القوة، أمام دول تُسمى ديمقراطية لكنها تختار مصالحها الخاصة على حساب حياة البشر. هذا المثال الصارخ يظهر أن الديمقراطية ليست قيمة ثابتة، بل أداة تُستعمل حيث تحمي الثروة والقوة وتُهمش المظلومين.
في هذا التوازي بين الفشل الداخلي والهيمنة الخارجية، تسقط أسطورة العدالة. العدالة لا تُفرض من نظام ضعيف داخليًا ومخضع خارجيًا. الحرية لا تزدهر تحت الوصاية. السيادة تحتاج قرارًا مستقلًا، وحين يكون القرار مرهونًا بالخارج تصبح الديمقراطية واجهة لا جوهر، شكل لا مضمون، العملية كلها تتحرك بمقدار مصالح الأقوى، والشعب يبقى مجرد شاهد على ما يجري.
ما نعيشه اليوم ليس موت الديمقراطية، بل كشف حدودها، الحقيقة المؤلمة أننا نعيش في عالم مختل، يسبق فيه ميزان القوة ميزان القيم، وربما لا يحتاج العالم ديمقراطية جديدة بقدر ما يحتاج عدالة تسبقها، وإنسانًا أقل جوعًا، أقل خوفًا، أقل سحقًا. حين يُسحق الإنسان تشيخ أفكاره، وحين تشيخ الأفكار تتحول حتى أجمل النوايا إلى أدوات فارغة. نحن لا نشهد نهاية الديمقراطية بل لحظة صدق معها، لحظة الاعتراف بأنها وسيلة لا خلاص، وأن العدالة لا تُمنح بصندوق ولا تُفرض بقانون، بل تُبنى ببطء، كما تُبنى الحياة نفسها، وتُبنى الكرامة من رحم الألم.





