
في تطور يعد الأخطر منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، أدت سيطرة قوات الدعم السريع على حقول هجليج النفطية إلى توقف شبه كامل لإنتاج النفط السوداني وانقطاع خط الصادرات القادم من جنوب السودان عبر الأراضي السودانية. هذا التحول المفاجئ لا يمس فقط مسار الحرب، بل يضع الاقتصاد السوداني أمام أعمق أزماته منذ الانفصال عام 2011.
انهيار مورد البلاد الرئيسي
لطالما شكّلت عائدات النفط شريان الحياة المالي للحكومات السودانية المتعاقبة. فقبل الحرب، كان السودان يعتمد على إيرادات نقل ومعالجة نفط جنوب السودان كأهم مصدر للعملات الأجنبية، إلى جانب ما تبقى من إنتاجه الداخلي.
والأرقام تعطي صورة أوضح لحجم الصدمة:
كانت رسوم عبور نفط جنوب السودان تمثل 40% من إيرادات الحكومة السودانية بالعملة الصعبة.
يشكل قطاع النفط ما بين 30% إلى 35% من موارد الخزانة العامة.
يمول القطاع جانباً كبيراً من الرواتب الحكومية والمشتريات العسكرية والسلع الاستراتيجية.

ومع توقف العمليات في هجليج، تواجه الخرطوم فجوة تمويلية حادة، ستكون لها انعكاسات مباشرة على أسعار الوقود والخبز والدقيق، إلى جانب انهيار إضافي محتمل لقيمة الجنيه السوداني.

شلل اقتصادي ومعيشي واسع
توقف البترول يعني عملياً توقف الدولة عن العمل. فمعظم مؤسسات الحكومة كانت تعتمد على العائدات النفطية لشراء الوقود، صيانة محطات الكهرباء، تمويل النقل، ودفع رواتب العاملين في القطاعات الحيوية.
ويتوقع محللون اقتصاديون أن تشهد البلاد في الأسابيع المقبلة:
أزمات خانقة في الكهرباء والوقود.
صعوداً إضافياً في معدلات التضخم التي تجاوزت سابقاً 300%.
عجزاً كبيراً في استيراد السلع الأساسية مثل القمح والأدوية.
ازدياد أعداد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية، والتي وصلت بالفعل إلى أكثر من 25 مليون سوداني.
بهذه التطورات، يدخل السودان مرحلة «اقتصاد الطوارئ» الحقيقي، حيث تغيب الدولة وتبرز الأسواق السوداء كبديل.

جنوب السودان… الخاسر الثاني
لم يكن السودان وحده هو المتضرر. فجوبا تعتمد بنسبة 95% على صادرات النفط لتمويل ميزانية الدولة. ومع توقف المعالجة والنقل عبر السودان، تدخل جنوب السودان في حالة اختناق اقتصادي، ما قد يفتح الباب لأزمة إقليمية جديدة في شرق أفريقيا.
ورقة ضغط جديدة في يد الدعم السريع
تحويل هجليج إلى منطقة خاضعة لسيطرة الدعم السريع يعطي الحركة قوة تفاوضية غير مسبوقة. فهي الآن تمسك بواحد من أهم مصادر تمويل الدولة السودانية، إضافة إلى موقع استراتيجي يربط ولايات غرب كردفان ودارفور بمركز الدولة.
ويرى مراقبون أن هذا التطور قد:
يغير موازين الحرب بشكل كبير.
يدفع أطرافاً إقليمية إلى إعادة حساباتها.
يمنح الدعم السريع قدرة على فرض شروط سياسية في أي مفاوضات مستقبلية.
انسحاب الشركات الأجنبية وتعقيد المستقبل
أفادت مصادر ميدانية بانسحاب فرق الشركات الأجنبية العاملة في الحقول، خصوصاً الشركات الصينية التي تعمل في الحفر والصيانة. هذا الانسحاب يعني أن إعادة تشغيل الحقول لن يكون أمراً سهلاً حتى إذا عادت السيطرة للجيش، بسبب:
تضرر البنية التحتية.
فقدان الكوادر الفنية.
المخاطر الأمنية العالية.
توقف الاستثمارات الأجنبية التي كانت تمثل آخر آمال القطاع.
فقدان هجليج ليس حدثاً عسكرياً فقط، بل ضربة قاصمة للاقتصاد السوداني، تدفع البلاد نحو مرحلة أكثر خطورة من الانهيار المالي والإنساني. أما على المستوى السياسي والعسكري، فهذه التطورات تمثل نقطة تحول قد ترسم مستقبل الحرب في السودان لعام 2026 وما بعده.
نرشح لك : “شراكة استراتيجية بين مصر والسودان لتعزيز صادرات الصناعات التعدينية للأسواق العالمية”




