
إن الارتفاع المستمر وغير العادي في سعر الذهب ليس دليلاً على القلق الاقتصادي أو المالي قصير الأجل، بل هو انعكاس لتحول عميق وهيكلي وطويل الأمد في النظام العالمي—وبالتحديد، حركة استراتيجية للابتعاد عن الدولار الأمريكي من قبل البنوك المركزية الأجنبية. ويجب على الغرب أن يعتبر ذلك بمثابة إشارة «صفراء وامضة» على تآكل نفوذه الدولي.
أولاً: الانفصال عن الارتباطات التقليدية
الطبيعة غير العادية لهذا الارتفاع:
الانفصال عن أسعار الفائدة: تاريخياً، يرتبط الذهب بعلاقة عكسية مع أسعار الفائدة الحقيقية (المعدلة حسب التضخم). فعندما ترتفع أسعار الفائدة، تزداد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب الذي لا يدر عائداً، وينخفض سعره عادةً. لكن الارتفاع الحالي كسر هذا الارتباط التاريخي، حيث استمر على الرغم من فترات ارتفاع أو عدم يقين في توقعات أسعار الفائدة.
التباين مع العوامل الجيوسياسية: يرى أن الارتفاع خطي ومتسق للغاية بحيث لا يمكن إرجاعه فقط إلى الطبيعة الحادة والمتقلبة للتوترات الجيوسياسية (مثل الصراعات في الشرق الأوسط). فبينما يعزز الصراع الطلب على الملاذات الآمنة، فإن مسار السعر يشير إلى شيء أكثر منهجية.
ليس مجرد زيادة عامة في الأصول: على الرغم من أن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 وغيره من الأصول عالية المخاطر قد حققت أداءً جيدًا، فإن الارتفاع المتسق وطويل الأجل للذهب في ظل ابتعاده عن محركاته التاريخية يجعله شذوذاً لا يمكن إهماله باعتباره جزءاً من «تضخم عام في الأصول».
ثانياً: المحرك الأساسي: الجغرافيا الاقتصادية والابتعاد عن الدولرة
العامل الرئيسي الذي يقود سعر الذهب، هو التحول في الهيكل المالي العالمي، الذي يسميه “الجغرافيا الاقتصادية”:
شراء البنوك المركزية: يمثل الطلب المستدام وغير المسبوق من البنوك المركزية الأجنبية، وخاصة في الصين ودول “القوة المتوسطة”، أهم محرك لهذا الارتفاع.
التنويع الاستراتيجي: لا يرتبط هذا التراكم بالأهداف التقليدية للسياسة النقدية. بل يمثل استراتيجية متعمدة وطويلة الأجل من أجل:
تنويع الاحتياطيات تدريجياً بعيداً عن التركيز الكبير على الدولار الأمريكي.
التحوط ضد المخاطر السيادية الأمريكية: إن الحجم الهائل للدين الحكومي الأمريكي وغياب الانضباط المالي يثيران مخاوف طويلة الأجل بشأن استقرار سندات الخزانة.
تأثير العقوبات: والأهم من ذلك، يعكس هذا الاتجاه تزايد عدم الثقة في النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة. فبعد استخدام الدولار كسلاح (على سبيل المثال، من خلال العقوبات بعد الصراع الروسي الأوكراني)، تستكشف البنوك المركزية بدائل لنظام دفع يمكن فيه تجميد احتياطياتها أو تقييدها بشكل أحادي. ولا يحمل الذهب أي مخاطر طرف مقابل وهو محصن ضد ضوابط البنية التحتية الأمريكية.
ثالثاً: تحذير للغرب
يختتم العريان بالقول إن ارتفاع سعر الذهب هو تحذير مباشر لصناع السياسات الغربيين، وخاصة في واشنطن:
تآكل الهيمنة: إن ما هو على المحك ليس الانهيار الفوري للدولار، بل التآكل التدريجي لـ “الامتياز الباهظ” الذي يتمتع به – أي قدرة الولايات المتحدة على تمويل عجزها بسهولة وتوسيع نفوذها الدولي من خلال عملتها.
تفتيت النظام: إن هذا التحول الهيكلي، إذا تعمقت جذوره، فإنه يهدد بتفتيت النظام المالي العالمي مادياً، مما يقوض النفوذ الدولي لكل من الدولار والنظام المالي الأمريكي.
«إشارة صفراء وامضة»: يعمل سعر الذهب كضوء «أصفر وامض».
يجب على الغرب أن يولي اهتمامًا جادًا للقضايا الأساسية المتمثلة في عدم الانضباط المالي والمخاوف الاستراتيجية للدول الأخرى، بدلاً من التقليل من شأن ارتفاع الذهب باعتباره تقلبًا ماليًا مؤقتًا.
محمد العريان
خبير اقتصادى عالمى وكبير المستشارين الاقتصاديين لشركة أليانز Allianz
نقلا عن فايانانشيال تايمز




