عايز تبيع أي حاجة؟ كوكب نيوز هو الحل!

باقة إعلانية شاملة بـ 50 جنية فقط.. لآلاف المشترين

اعرض الآن 🚀

🏛️ الدليل الشامل للخدمات الحكومية!

الأحوال المدنية، الجوازات، التأمينات، التموين، المرور، الإسكان - كل الخدمات في مكان واحد

تصفح الدليل 📋
اقتصادرأي

دكتور احمد جعفر يكتب.. قصب السكر في صعيد مصر .. محصول يرهق الأرض ويُفقِر الإنسان !

في صعيد مصر، لا يُنظر إلى قصب السكر بوصفه مجرد محصول زراعي، بل باعتباره قدرًا اجتماعيًا واقتصاديًا توارثته الأجيال .. تمتد حقوله على جانبي النيل، خضراء كثيفة، توحي بالخير والوفرة، لكن خلف هذا المشهد المهيب تختبئ أزمة مركبة يدفع ثمنها الفلاح الصعيدي، وتدفعها الأرض والمياه والصحة العامة ..
هذا ما لمسته اثناء أول رحلة لي بالقطار إلى محافظة الأقصر ضمن وفد لجنة الأداء النقابي بنقابة الصحفيين المصرية .. الملامسة جاءت بالنظر يمينا ويسارا على جانبي طريق يقطعه القطار في زمن يتجاوز التسع ساعات تقريبا منذ الإقلاع من القاهرة حتى يصل إلى الأقصر ..
وايضاً تعمقت الملامسة بحواراتي مع من قابلتهم من اهل الأقصر وإسنا فضلا عن بعض من وقع اختياري عليهم ذهابا وإيابا اثناء رحلتي بالقطار وجولتي المسائية بعد زيارة الأماكن الأثرية والحضارية صباحا ..
من بين أبرز الاسئلة التي كانت تجول في خاطري وتتعلق مباشرة ب الصعيدي:

لماذا يتمسك الصعايدة بزراعة القصب؟

قبل الحديث عن المشكلة، لا بد من فهم أسباب الاستمرار .. قصب السكر محصول يتحمل حرارة الصعيد القاسية، ويتميز بوجود مشترٍ شبه مضمون هو مصنع السكر القريب .. هذا الإحساس النسبي بالأمان جعل الفلاح يرى في القصب ملاذًا من المجهول، لا خيارًا اقتصاديًا مدروسًا .. فالفلاح لا يزرع القصب لأنه الأكثر ربحًا، بل لأنه الأقل مخاطرة في نظره .. لكن هذا الأمان، مع مرور الوقت، تحوّل إلى قيد ثقيل.

استنزاف المياه: خطر صامت

قصب السكر من أكثر المحاصيل استهلاكًا للمياه .. في زمن تتزايد فيه الضغوط على حصة مصر المائية، يصبح التوسع في زراعته عبئًا حقيقيًا .. يحتاج القصب إلى ري متواصل وعلى مدار العام، ما يؤدي إلى استنزاف الترع والمصارف ونزاعات بين القرى على أدوار الري وتبوير أراضٍ مجاورة أقل قدرة على الحصول على المياه، وهكذا، لا يعاني الفلاح وحده، بل تعاني منظومة الري بأكملها.

الفقر رغم العمل الشاق

المفارقة المؤلمة أن الفلاح الصعيدي يزرع محصولًا استراتيجيًا، ومع ذلك يعيش في ضيق اقتصادي دائم. يعمل طوال العام في الري والتسميد والعزيق والحراسة، ثم يفاجأ في النهاية بأن سعر التوريد تحدده المصانع وحدها، مع خصومات متكررة وتأخير في صرف المستحقات.
النتيجة النهائية لهذا التعب الدائم أن القصب لا يحقق للفلاح #ابن_الصعيد عائدًا يتناسب مع الجهد المبذول، فيتحول العمل الزراعي من مصدر كرامة إلى دائرة إنهاك لا تنتهي.

التبعية لمصانع السكر

أحد جذور الأزمة هو العلاقة غير المتكافئة بين الفلاح ومصانع السكر .. فالمزارع مرتبط عمليًا بمصنع واحد في نطاقه الجغرافي، لا يملك خيار البيع لغيره، ولا يستطيع تخزين محصوله طويلًا، ولا يشارك في تحديد السعر .. أي خلاف أو خلل إداري قد يعني خسارة موسم كامل، هذه التبعية تجعل الفلاح الحلقة الأضعف في سلسلة إنتاج مربحة، لكن أرباحها لا توزع بعدالة.

الأعباء الصحية والاجتماعية

#زراعة_القصب من أشق الأعمال الزراعية .. العمل تحت الشمس الحارقة، واستخدام أدوات بدائية، والحصاد المرهق، كلها عوامل تؤدي إلى: إصابات مزمنة وآلام في الظهر والمفاصل وإنهاك بدني مبكر، وغالبًا ما تشارك الأسرة كلها في العمل، ما ينعكس سلبًا على تعليم الأبناء وصحة النساء، ويكرّس دائرة الفقر عبر الأجيال.

التلوث وحرق المخلفات

حرق مخلفات القصب ممارسة شائعة رأيتها بأم عيني على مدار أربعة أيام متتالية وعند السؤال عرفت انها لتسهيل الحصاد وتقليل التكلفة، لكنها تترك أثرًا بيئيًا خطيرًا .. ينتج عن ذلك تلوث الهواء وانتشار أمراض الجهاز التنفسي، خاصة في القرى المحيطة بالمصانع، بما يدفع الصعيد بهذا الفعل ثمنًا صحيًا صامتًا لا يُلتفت إليه بما يكفي.

الجمود الزراعى

يبقى القصب في الأرض لسنوات متواصلة، أحيانًا تصل إلى سبع سنوات، ما يمنع تجديد التربة أو تجربة محاصيل بديلة .. هذا الجمود الزراعي يعمّق اعتماد الفلاح على محصول واحد، ويجعله أكثر هشاشة أمام أي تغير في السياسات أو الأسعار.

جوهر المشكلة

المشكلة الحقيقية ليست في قصب السكر ذاته، بل في تحوّله إلى محصول اجتماعي أكثر منه اقتصاديًا .. يُزرع بدافع الخوف من المجهول، لا بدافع الجدوى .. ومع الوقت، أصبح يستهلك المياه وخصوبة الأرض وضياع عمر الفلاح دون أن يحقق تنمية حقيقية للمجتمع المحلي.

ما الذي يحتاجه أهل الصعيد؟

الحل لا يكون بالمنع القسري أو القرارات الفوقية، بل عبر تقديم بدائل زراعية مربحة وأقل استهلاكًا للمياه وتسعير عادل وشفاف يضمن كرامة الفلاح وتشجيع صناعات زراعية محلية صغيرة ودعم تدريجي للتحول الزراعي يحترم خبرة الفلاح .
قصب السكر جزء من تاريخ الصعيد، لكن المستقبل يحتاج شجاعة للمراجعة .. فالأرض لا تحتمل المزيد من الاستنزاف، والفلاح لا يحتمل المزيد من الوعود المؤجلة .

دكتور احمد جعفر 

كاتب صحفي مصري 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى