
ما حدث في كأس العرب نقطة سوداء في تاريخ الكرة المصرية، فخروج منتخبنا الوطني من هذه البطولة بهذه الطريقة كان مصيبة وكارثة لا بد من محاسبة من تسبب فيها، فما حدث يؤكد أن الكرة في مصر تعيش أسوأ مراحلها التاريخية، ليس بسبب فقر المواهب ولا ضعف الجماهير ولا محدودية الإمكانات، بل لأن المنظومة الإدارية التي تدير هذا الملف أصبحت عبئًا على اللعبة، ومعطلًا لمسارها، ومعرقلًا لأي محاولة للنهضة.
فإحترام قميص منتخب مصر واجب وطني مقدس، سواء كان المنتخب الوطني الأول أو الثاني أو الأولمبي، لأنه يُمثل شعب عريق وجمهور عظيم، ولا بد أن يتحمل كل من يرتدي هذا القميص المسؤولية الوطنية كاملة سواء لاعبين أو إداريين أو مسؤولين عن هذا الملف، فما حدث يمثل ضربة قوية لتاريخ الكرة المصرية.
فملف كرة القدم، شأنه شأن أي ملف آخر، يعاني من غياب الرؤية الإستراتيجية، وانعدام التخطيط، وتمدد الشللية والمصالح الضيقة، مع استمرار تدوير نفس الوجوه التي أثبتت فشلها مرة بعد أخرى، وكأن الهدف هو الحفاظ على الخراب لا إصلاحه!.
خروج المنتخبات المصرية بكل فئاتها من البطولات كان فضيحة كروية مكتملة الأركان! الأداء الهزيل والضعف البدني وسوء الإعداد وانعدام الهوية تكشف أن عملية بناء اللاعبين الصغار تسير بمنهجية عشوائية لا علاقة لها بعلم الرياضة الحديث.
فالمواهب الصغيرة تحتاج إلى مدربين متخصصين في التكوين، لا إلى هواة يتم وضعهم في مواقع فنية حساسة عبر المجاملات والصداقات، والتجارب الناجحة تؤكد أن المنتخبات السنية لا تنهض إلا بمدربين أجانب عالميين يعرفون كيف يصنعون لاعبًا كاملًا: «فنيًا وبدنيًا وذهنيًا»، أما الاعتماد على مدربين غير مؤهلين فهو وصفة مؤكدة لإنتاج أجيال ضعيفة مهزوزة لا تستطيع الصمود أمام منافسين يتطورون بسرعة.
فما حدث كان مصيبة كروية مدوية، وأكد أنه لا يوجد تنسيق، ولا خطة، ولا إستراتيجية لتطوير اللاعب المصري! العالم كله يقوم بوضع خطط طويلة المدى، وفي مصر مازلنا شغالين بشكل عشوائي، وعايشين على الماضي، والجيل الجديد لم ولن ينسى ما حدث في البطولة من فضيحة في الأداء السيىء، والنتيجة لذلك كل اللاعبين المشاركين في البطولة اتحرقوا بما تعنيه الكلمة من معنى بسبب سوء الإدارة، وخروجنا بهذه الطريقة المشينة مسؤولية كاملة يُحاسب عليها كافة القائمين على الكرة المصرية.
إصلاح كرة القدم يتطلب تشكيل مجموعة من خبراء اللعبة الحقيقيين لوضع رؤية ممتدة لعشرين عامًا، تضم أسماء عريقة وتمتلك معرفة فنية وإدارية مثل طه إسماعيل، فاروق جعفر، هاني رمزي، مصطفى يونس، علي أبو جريشة، سيد عبدالحفيظ، محمد بركات، أحمد حسن ومحمد فضل وغيرهم ممن يملكون القدرة على صياغة مشروع قومي حقيقي لتطوير اللعبة في مصر.
مهمة هذه المجموعة يجب أن تكون واضحة: إعادة هيكلة المنظومة من جذورها، ووضع برنامج لبناء قاعدة الناشئين، والتنسيق مع الأندية، وتحويل الكرة المصرية إلى صناعة استثمارية حقيقية، ووضع خطط إستراتيجية طويلة المدى للنهوض بهذه اللعبة العالمية.
ولا يمكن للكرة المصرية أن تتحرك خطوة إلى الأمام دون التحول الكامل إلى الأندية الاستثمارية.. بيع الأندية لمستثمرين أو طرحها كأسهم ضرورة لا رفاهية، لأنها وحدها التي تضمن موارد ثابتة وبناء احترافي وإدارة رشيدة، كما يجب فتح الباب أمام احتراف اللاعبين الصغار قبل سن الثامنة عشرة دون رهن موافقة النادي، مع إنشاء أكاديميات رياضية حديثة في كل المحافظات بالشراكة مع أكاديميات أوروبية متخصصة في صناعة المواهب.
الإعلام الرياضي هو الآخر جزء أساسي من المشكلة؛ فالفضائيات تحولت إلى ساحات صراخ، وتحريض، ونشر شائعات، وشخصنة، وتشويه للرياضيين، بينما اختفى التحليل العلمي والنقد الفني الرشيد والخبرة الحقيقية! فالإصلاح يبدأ بإبعاد العناصر التي جعلت الفوضى منهجًا، وفتح المجال أمام إعلاميين مؤهلين يحترمون عقل المتلقي ويقدمون منهج ومعرفة لا ضجيجًا.
أما اتحاد الكرة ورابطة الأندية فهما مثال صارخ على الفشل الإداري المعتمد على علاقات ودوائر مصالح، لا على كفاءة وقدرة وخبرة؛ وتغيير هذه الوجوه ضرورة قبل أن تتحول اللعبة إلى عبء اجتماعي يجب الهروب منه؛ فالتدوير لا يصنع نهضة، والوجوه المستهلكة لا يمكنها أن تقود مستقبلًا مختلفًا.
التجارب الناجحة أمامنا، والتجربة المغربية نموذج ملهم لما يمكن أن تفعله دولة عندما تقرر أن الرياضة مشروع قومي؛ فالمغرب بنت أكاديمية محمد السادس باعتبارها مصنعًا وطنيًا للاعبين؛ واعتمدت على مدربين عالميين، وفرضت نظامًا تدريبيًا موحدًا، وضخت استثمارات ضخمة في البنية التحتية، واهتمت بالجانب الذهني والبدني للاعبين، لتنتج في النهاية جيلًا غيّر صورة القارة في كأس العالم وأصبح قوة حقيقية في كل مستويات اللعبة.
ما تحتاجه مصر ليس معجزة، بل قرار واضح بإعادة بناء المنظومة من أساسها، والاعتماد على الكفاءة وحدها، وإغلاق أبواب المجاملات والمحسوبية، وحماية المواهب، ومواجهة الفساد الرياضي بكل أشكاله.. فمصر تمتلك تاريخًا كرويًا عظيمًا، وجماهير عريقة، وكنزًا من المواهب، لكنها تحتاج إلى إدارة تليق بهذا الإرث، وتستطيع أن تصنع مستقبلًا أفضل.. كرة القدم ليست لهوًا شعبيًا، بل صناعة ضخمة، وقوة ناعمة، وواجهة حضارية، ومصدر فخر وطني.. وعندما تعود مصر إلى الطريق الصحيح، ستعود الكرة المصرية كما كانت دائمًا: «في المقدمة».. حفظ الله مصر أرضًا وشعبًا وجيشًا وقيادة.





