عايز تبيع أي حاجة؟ كوكب نيوز هو الحل!

باقة إعلانية شاملة بـ 50 جنية فقط.. لآلاف المشترين

اعرض الآن 🚀

🏛️ الدليل الشامل للخدمات الحكومية!

الأحوال المدنية، الجوازات، التأمينات، التموين، المرور، الإسكان - كل الخدمات في مكان واحد

تصفح الدليل 📋
أخباررأي

سعد عامر يكتب من نيويورك..أمريكا كما عرفتها

حين تعيش في أمريكا لا تراها كما يراها الزائر العابر، بل كما يراها من خَبِر دروبها وتعلّم من نظامها وفهم سرّ قوتها. ليست ال الجبال الشاهقة ولا الأبراج العالية هي ما يدهشك، بل الإنسان الذي يعرف حدّه وحقّه، ويحترم القانون كما لو كان جزءًا من ضميره. هناك تدرك أن العدالة ليست شعارًا، بل أسلوب حياة… وأن القانون لا ينام.

أمريكا التي أعيش فيها كما عرفتها في دروبها لا مكان فيها لمن يتجاوز حدوده أو يعتدي على حقوق غيره، فالقانون هناك ليس سيفًا يُشهر في وجه الضعيف، بل ميزان يزن الجميع بميزان واحد لا يميل ولا ينحاز، الكل سواء أمامه، لا فرق بين مسؤولٍ وعامل، ولا بين غنيٍ وفقير، ولا بين مواطنٍ أو مهاجر، فكل من يعيش على أرضها له ما لهم وعليه ما عليهم.

في هذه البلاد تعلمت أن الحرية ليست انفلاتًا، بل التزام بالنظام واحترام للآخر، فلا يحق لك أن تقتحم خصوصية أحد أو ترفع صوتك عليه في طريق أو متجر أو مصلحة، إن مررت بباب مغلق فلك أن تطرق لا أن تقتحم، وإن وقفت في طابور فلك دورك لا حقك في التقدم على غيرك، كل شيء منظم، وكل حق محفوظ، فلا أحد يعلو فوق النظام ولا ينجو من المحاسبة مهما علت مكانته.

احترام الفرد هناك قيمة عليا تُغرس في الصغار قبل الكبار، لا يُسمح لك أن تُهين أو تُسخر أو تُضايق أحدًا، فلك حريتك ما دمت لا تضر غيرك، الكلمة هناك تُحاسب، والإشارة تُسجل، والنظرة إن حملت إساءة قد تجر عليك عواقب لا تحتملها.

المرأة كيان محترم في الشارع، وفي العمل، وفي البيت، لا يُسمح لأحد أن يلمزها أو يطعن في حقها

أما المرأة فهي كيان محترم في الشارع، وفي العمل، وفي البيت، لا يُسمح لأحد أن يلمزها أو يطعن في حقها، فهي جزء من المجتمع تسير بثقة وتعمل بندّية وتُعامل بما تستحقه من احترام. ولا يُقبل هناك أي شكل من أشكال التحرش، سواء كان قولًا أو نظرة أو حتى مزاحًا عابرًا يخدش الحياء أو يسيء للذوق العام. فالقانون هناك لا يفرق بين مزحة وكلمة جارحة إن مست كرامة إنسانة، والمجتمع كله يعتبر ذلك تجاوزًا يستحق العقاب. ولهذا ترى المرأة تسير مطمئنة، تعمل بحرية، وتعيش بثقة لأنها تعرف أن خلفها قانونًا لا ينام، ومجتمعًا لا يسكت على إساءة.

وما يُدهشك أكثر هو اهتمامهم العميق بالطفولة، فالطفل هناك ليس تابعًا يُهمَل أو يُهمل، بل هو محور العناية والرعاية في البيت والمدرسة والمجتمع. لا يُسمح للأسرة أن تعتدي عليه باللفظ أو باليد، ولا أن تُهينه أو تُرعبه تحت ذريعة التربية. فالقانون يحميه حتى من أقرب الناس إليه إن أساء إليه، والمتابعة الاجتماعية تصل إلى البيوت لتتحقق من سلامة البيئة الأسرية. كل طفل له حق في الرعاية، والتعليم، والاحترام، وله صوت يُسمع إن تعرض للأذى أو الإهمال. هناك يؤمنون أن بناء المستقبل يبدأ من حضانةٍ آمنةٍ وبيتٍ خالٍ من الخوف.

والتهذيب في التعامل عادة يومية لا تحتاج إلى وصية أو توجيه، الناس يبتسمون في وجوه الغرباء، يعتذرون عند الخطأ، يشكرونك على أبسط خدمة، ويُقدّرون الوقت والدقة والنظام، لا أحد يتعدى على صفك في الطريق، ولا على حقك في الكلام، ولا على دورك في الانتظار، الكل يتعامل كما لو كان ممثلًا عن وطنه، وكأن كل فعلٍ منه يُحسب عليه.

في أمريكا قد تختلف مع غيرك في الرأي، في الدين، في اللون، في المعتقد، لكن لا أحد يملك أن ينتزع منك حقك في الوجود والاحترام، كل إنسان له مساحته الخاصة وحدوده التي لا يُسمح بتجاوزها لا لفظًا ولا فعلًا ولا إشارة، ورغم ذلك، هناك تعديات تحدث، ولكن القانون دائمًا هو الأقوى، يقف في وجه أي ظلم ويعيد التوازن سريعًا، فلا يُترك حق دون حساب، ولا يُغلق ملف قبل إنصاف المتضرر.

فوارق الحياة

ورغم كل ما فيها من عدلٍ واحترامٍ للنظام، فإنها لا تخلو من فوارق الحياة وتحدياتها، هناك من يعيش في رخاءٍ واسع، وهناك من يكافح يومه بيومه، ومع ذلك يظل القانون واضحًا في حماية الضعيف وضمان الحد الأدنى للكرامة الإنسانية، فالدولة تُحدد ما يُعرف بالحد الأدنى للفقر، وهو المقياس الذي تُبنى عليه المساعدات والدعم الحكومي، ففي عام 2025 مثلًا يُقدر الحد الأدنى للفقر للفرد الواحد بنحو خمسة عشر ألفًا وستمائة وخمسين دولارًا سنويًا، ولأسرة مكونة من أربعة أفراد بنحو اثنين وثلاثين ألفًا ومائة وخمسين دولارًا، ومن يقل دخله عن ذلك يُعد في نظر الدولة بحاجة إلى دعمٍ مباشر أو مساندةٍ معيشية سواء في السكن أو التأمين أو الغذاء أو الرعاية الصحية.

بهذا المبدأ لا يُترك أحد هناك فريسةً للجوع أو العوز دون أن تمتد إليه يد المساعدة، فالإنسان في فلسفتهم له حق في العيش الكريم حتى وإن لم يكن قادرًا على الكسب، إنها ليست مساواة في الغنى، بل مساواة في الحق في الحياة بكرامة.

في النهاية، ما يجعل أمريكا كما عرفتها قوية ومتماسكة ليس الأبراج العالية أو المال الوفير، بل احترام الإنسان نفسه: الطفل، المرأة، الرجل، الكبير والصغير، كل فرد له مكانه وحقوقه وكرامته. القانون هنا ليس مجرد نصوص تُقرأ، بل هو نبض الحياة اليومية، يضمن لكل واحد السلامة والعدالة والاحترام. الإنسان هو محور النظام، والمحافظة على كرامته هي الغاية الأولى والأخيرة لكل سلطة وكل مؤسسة. وعندما يفهم الجميع هذا المبدأ، يصبح الاحترام والعدل ليس خيارًا، بل أسلوب حياة يعكس حقيقة أن القانون لا ينام، وأن العدالة دائمًا موجودة لمن يستحقها.

اقرأ أيضا: سعد عامر يكتب من نيويورك..وجع الغربة

زر الذهاب إلى الأعلى