
كلما صدر تقرير عن الذكاء الاصطناعي، سارعت بعض وسائل الإعلام إلى اختيار أكثر العبارات إثارة، فتظهر عناوين من قبيل: “الذكاء الاصطناعي قد يدمر البشرية” أو “خرج عن السيطرة”، بينما عند قراءة التقارير الأصلية يتبين أن العلماء يتحدثون بلغة الاحتمالات وإدارة المخاطر، لا بلغة اليقين.
التقرير الأخير الصادر عن اللجنة العلمية الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة لا يقول إن الذكاء الاصطناعي أصبح واعياً، ولا إنه قرر التمرد على البشر، ولا أنه أصبح خارج السيطرة بالفعل، وإنما يلفت الانتباه إلى حقيقة علمية مهمة، وهي أن سرعة تطور النماذج الحديثة أصبحت أكبر من سرعة فهم العلماء لكل خصائصها، وأسرع من قدرة الحكومات على سن القوانين المنظمة لها.
وهذه ليست ظاهرة جديدة في تاريخ العلوم؛ فقد سبقتها الطاقة النووية والهندسة الوراثية والإنترنت والطائرات المسيرة، حيث كانت التقنية تتطور أسرع من التشريعات، ثم جاءت القوانين لاحقاً لتنظم استخدامها.
ومن الناحية العلمية، فإن الذكاء الاصطناعي الحالي لا يمتلك وعياً ولا إرادة ولا مشاعر ولا رغبة في السيطرة على العالم. إنه منظومة رياضية تعتمد على كميات هائلة من البيانات والخوارزميات، وتنتج استجابات بناءً على أنماط تعلمتها أثناء التدريب. ولذلك فإن الحديث عن “سلوك خبيث” لا يعني وجود نية إجرامية لدى الآلة، وإنما يشير إلى أن بعض النماذج قد تقدم معلومات مضللة، أو تحاول الوصول إلى هدف برمجي بطرق لم يتوقعها المصممون، أو يمكن أن يستغلها أشخاص ذوو نيات سيئة.
والخطر الحقيقي لا يكمن في أن الآلة ستستيقظ يوماً وتعلن الحرب على البشر، بل في استخدام البشر أنفسهم لهذه التقنيات في مجالات خطيرة، مثل الهجمات السيبرانية، وصناعة الأخبار الكاذبة، وانتحال الشخصيات، والاحتيال المالي، وتطوير أسلحة أكثر استقلالية، والمراقبة الجماعية، والتأثير في الرأي العام.
وفي المقابل، فإن تجاهل الوجه المشرق للذكاء الاصطناعي ظلم للحقيقة أيضاً. فقد أحدث تقدماً كبيراً في تشخيص الأمراض، وتحليل الصور الطبية، وتسريع اكتشاف الأدوية، وتحسين الإنتاج الصناعي، وإدارة الطاقة، وترجمة اللغات، ومساعدة الباحثين والطلاب، وخدمة ذوي الإعاقة، وغيرها من التطبيقات التي تنقذ الوقت والمال، بل وتنقذ الأرواح في بعض الحالات.
ولهذا فإن العلماء لا يدعون إلى وقف الذكاء الاصطناعي، وإنما إلى حوكمته. والمقصود بالحوكمة وضع أطر قانونية وأخلاقية وتقنية تضمن الشفافية، والمساءلة، وحماية الخصوصية، واختبار الأنظمة قبل إطلاقها، والحد من الاستخدامات الضارة، مع تشجيع الابتكار المسؤول.
أما الدعوة إلى إنشاء لجنة دولية جديدة، فهي تعكس إدراكاً بأن هذه التقنية أصبحت عابرة للحدود، وأن آثارها لا تقتصر على دولة واحدة. غير أن نجاح أي هيئة دولية سيعتمد على تعاون الدول الكبرى والشركات المطورة، وهو أمر ليس سهلاً في ظل المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية.
وفي النهاية، فإن الموقف المتزن هو أن الذكاء الاصطناعي ليس ملاكاً ينقذ البشرية من كل مشكلاتها، وليس شيطاناً سيقضي عليها حتماً. إنه أداة بالغة القوة، ويمكن أن تكون سبباً في نهضة علمية غير مسبوقة إذا أُحسن استخدامها، كما يمكن أن تتحول إلى مصدر أخطار جسيمة إذا غابت الأخلاق، وضعفت الرقابة، واستُخدمت في غير ما خُلقت له.
لقد أثبت التاريخ أن المشكلة ليست في الأدوات نفسها، بل فيمن يمسك بها. فالسكين قد تكون وسيلة لإنقاذ مريض في غرفة العمليات، وقد تكون أداة لجريمة. والطاقة النووية قد تنير مدناً كاملة، وقد تدمرها. وكذلك الذكاء الاصطناعي؛ مستقبله لن تحدده الخوارزميات وحدها، بل ستحدده قيم الإنسان، وحكمته، وقدرته على وضع العلم في خدمة الخير لا في خدمة الفوضى.

نائب رئيس المجلس الاعلى للاقتصاد العربي الافريقي بمرتبة وزير مفوض





