
نواب “الشو” وفخ “البصلة”: هل انحرفت البوصلة تحت القبة؟، بينما ننتظر من “نواب الشعب” أن يكونوا حائط الصد الأول في مواجهة عواصف الغلاء، ومنارة التشريع التي تنير عتمة البيروقراطية.
يخرج علينا البعض بمشاهد تليق بخشبة المسرح أكثر مما تليق بساحة التشريع، لقد تحولت “أدوات الرقابة” في يد البعض من “سيف” يحمي حقوق المواطن إلى “سبحة” للذكر الإعلامي أو “ميكروفون” للبحث عن التريند الضائع.
الرقابة ليست “مانشيت” صحفيا!، فإن ما نتابعه من طلبات إحاطة تتحدث عن “تصدير الكلاب” أو “ارتفاع سعر البصلة” بحملها أمام الكاميرات، ليس إلا ذرا للرماد في العيون، أين الاستجوابات الحقيقية التي تزلزل كراسي الوزراء المقصرين؟ أين الدور التشريعي الذي يسد ثغرات القوانين التي ترهق كاهل الغلابة؟.
إن النائب الذي يظن أن دوره ينتهي عند “المناوشة الكلامية” أو تقديم طلب إحاطة روتيني، هو في الحقيقة يمارس دور “المتفرج” بامتياز، ويترك المواطن يواجه مصيره وحده مع أزمات “تخفيف الأحمال” و”فجوة الأجور” التي لم تجد من يوقفها بجدية.
ومن المضحكات المبكيات، أن يتحول طموح “نائب الشعب” من مراقبة سياسات الدولة العليا وتشريع قوانين تنهض بالأمة، إلى مجرد “مراقب رصف” في دائرة محلية! نرى من يملأ الدنيا ضجيجا بطلبات إحاطة حول “مترين زفت” أو رصيف مائل، وكأن البرلمان تحول إلى مكتب مقاولات تابع للمحافظة.
يا سادة، الرصف مهمة “المجلس المحلي” الصغير، أما النائب الذي يحصر دوره في “الأسفلت” فهو إما هارب من معارك التشريع الحقيقية، أو أنه استعذب دور “السمسار الحضري” الذي يقتات على فتات الخدمات اليومية ليضمن مقعده، بينما الوطن يحتاج لعقول تبني مستقبلا لا مجرد طرق تؤدي لسراب.
من “الشارع” إلى “القبة”.. أين الحلول؟، ليس العيب في رصد المشكلة، بل في العجز عن تقديم البديل، حين يكتفي النائب بالحديث عن تهالك الطرق أو عشوائية الأسواق دون أن يطرح “قانونا” ينظم هذه الفوضى أو “ميزانية” يراقب تنفيذها بدقة، فإنه يتحول إلى “شاك” وليس “مشرعا”.
إن محاولة دمج الباعة الجائلين في الاقتصاد الرسمي، على سبيل المثال، لا تحتاج لخطب عصماء، بل تحتاج لإرادة تشريعية تحمي حق الدولة ولا تقطع رزق المواطن.
أما أعجب العجب، فهو الغرق في “نظريات الأرصفة”، حين يخرج علينا من يقترح “تقنين العشوائية” تحت مسمى دمج الباعة الجائلين، فبدلا من تقديم حلول اقتصادية تخلق فرص عمل حقيقية في مصانع أو مشروعات كبرى، نجد من يتفرغ لرسم خرائط “الفرشة” و”النصبة”.
إن هذا الإفلاس الفكري الذي يرى في تنظيم “البيعة والشرية” على الرصيف إنجازا تشريعيا يستحق الفخر، هو قمة الاستخفاف بعقل المواطن، هل أصبح أقصى طموحنا هو تحويل الشوارع إلى “سويقات” مقننة؟ إن التشريع الذي لا ينتشل المواطن من الرصيف إلى المصنع هو تشريع “بائس” لا يليق بمصر، مهما حاول البعض تجميله بمصطلحات “الاقتصاد الرسمي” الرنانة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
رسالة أخيرة لسيادة النائب، يا سادة، المواطن المصري بذكائه الفطري لم يعد ينبهر بـ “القفشات” البرلمانية ولا بطلبات الإحاطة التي تحفظ في الأدراج قبل أن يجف حبرها، المواطن يريد نائبا يقرأ الأرقام، يفهم في الاقتصاد، ويجيد لغة القانون، لا نائبا يبحث عن “لايك” على الفيسبوك بينما الدائرة الانتخابية تئن من نقص الخدمات.
كفاكم استعراضا، فالوطن لا يبنى بـ “الشو”، بل بالتشريع الذي يبني، والرقابة التي تحاسب وتصون.



